وداعًا يا رئيس الجمهورية، نعي السيد أبو الحسن بني صدر أوّل رئيس إيراني منتخب

بقلم رضا معيني

مأخوذة من الصفحة الخاصة بالكاتب على الفيسبوك

بالنسبة لي، كان أبو الحسن بني صدر هو الرئيس الوحيد لإيران رغم أنني أعتقد أنه لم يتم إجراء انتخابات حرة ونزيهة في إيران. لكن بني صدر كان رئيسا للجمهورية. ليس كمنصب وموقع وإنما كعقيدة وأداء والتمسك بالجمهورية والشعب والديمقراطية واستقلال إيران. ولأول مرة وخلال الأيام الاليمة التي جرت فيها سلسلة عمليات القتل السياسية لمثقفين وكتّاب في إيران التقينا عن كثب برفقة زميلين لي ولبحث ملف المرحوم “بيروز دواني” الكاتب الصحفي ومن ضحايا عمليات القتل المذكورة. ثم أجرينا لقاءات قليلة معه برفقة صحفيين أجانب، وفي الاجتماع الأخير التقيته بوحدي في مناقشة حول واقع حقوق الإنسان قبل الثورة الإيرانية. وفي اللقاء الأول ذاته تحدثنا في فرصة سنحت لنا عن الماضي والرؤى. وهو استخدم عدة مرات كلمة “أنتم” عند انتقاده لأداء التيارات اليسارية. وقلت بابتسامة إنه لم يكن لي حق التصويت في ذلك الوقت! وعندما سألتُ السيد الرئيس أنه وبرغم كل ما كانت لديك من الخبرة والدراسة في فرنسا لماذا وثقتَ بالخميني؟ كانت إجابته لا تزال تمثّل اليوم إحدى القضايا المثيرة للسؤال في المجتمع، حيث قال: “كنت مسلمًا ومؤمنًا بالإسلام ولم أكن أتصوّر أنه يمكن لمرجع ديني مثل الخميني أن تكذب! ففي ذلك الوقت، كنت أعتقد أنه إذا لم نثق بآية الله هذا (أي الخميني) فبمن يجب أن نثق؟”.

السيد الرئيس كانت لديه معتقداته الخاصة، وبعضها كانت بالنسبة لي غير قابلة للتصديق وغير مقبول. ولا تزال عندي أسئلة حول رواياته عن السلطة (القوة) وتاريخ ذلك العهد المظلم من السنوات الأولى ولكن لم تكن لدى بني صدر القدرة على سماع روايات أخرى وأحيانًا على قبولها. وهو قد أوضح في كتاباته رواية ذلك الوقت والأسباب وهو العمل الذي قليل من الناشطين السياسيين يقومون به. إنه كان رجل سياسة ديمقراطيًا وراسخًا بخطوة ثابتة في إيمانه بالديمقراطية وحقوق الإنسان. وخلال كل هذه السنوات، كان يقوم بكل ما بوسعه من أجل الحرية للصحفيين والإعلام في إيران.

إنه لم يتسامح مع نظام الحكم قط رغم كل ما اتخذه النظام من “إصلاحات” و “إبداعات” لضمان بقائه على السلطة. إنه قال “لا” للسلطة حالما كان على السلطة ولم يبق واقفًا إلى جانب رأس الحكم. هذه الرفعة المتمثّلة في قوله “لا” لنظام الجهل والجريمة والحرب، واستقلاله حيال الحكومات الأجنبية، وجهوده للتنوير والتوعية حول صفقات نظام الحكم ومشاطرته الشعب آلامه ومحنه، أمور تمثّل رصيدًا وطنيًا يعلّمنا دروسًا لا تنسى. إنه لم يكن يقسّم الناس على من معي ومن ضدي. ولم يكن يقيم سياسته على هذا الأساس. إن حديثه الشفاف والصريح وتمسكه بمعتقداته والتزامه بمبادئه وبحقوق الناس كان قد جعله رجل سياسة ملتزمًا بالأخلاق؛ وهي فضيلة قلّما يتّسم بها السياسيون بهذا المنصب والموقع.

إن صاحب ورئيس تحرير إحدى أوسع الصحف الإيرانية انتشارًا احتفظ بتعددية الأصوات حتى في المنفى. وكانت صحيفته (صحيفة “انقلاب إسلامي” أي الثورة الإسلامية) هي التي نشرت ولأول مرة رسائل آية الله “منتظري” حول مجزرة السجناء السياسيين في إيرن في صيف عام 1988 وهي الرسائل التي تعتبر أول وثيقة رسمية لإثبات وقوع أكبر جريمة في تاريخ إيران المعاصر.

أقدم التعازي لأسرة الرئيس بني صدر في وفاته، وأشاطر كثيرًا من الإيرانيين حزنًا وأسىً.