آفاق إقامة علاقات النظام الإيراني مع جيرانه رغم عملياته الإرهابية واحتجازه الرهائن

بقلم العقيد البحري محمد فارسي عضو مجلس إدارة المرحلة الانتقالية

نصحت جمهورية أذربيجان مواطنيها بالامتناع عن الذهاب إلى إيران. وردا على هذا التحذير الذي وجهته وكالة أنباء إيرنا، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني: إن “الاستمرار في سياسة الجوار هو أولويتنا القصوى، بالطبع، في إطار الاحترام المتبادل. واحترام عادات الجوار”. وكتب المتحدث باسم وزارة الخارجية في تغريدة (1) يقول “إن وزارة خارجية أذربيجان حذرت مواطنيها من السفر إلى إيران! هذه هي نفس السياسة التي انتهجها رئيس كيان الاحتلال الصهيوني الذي يقتل الأطفال وذلك خلال رحلته الأخيرة إلى باكو. إن من يُخيف الشعب الأذربيجاني هو النظام الصهيوني وليس إيران المتحضرة والإسلامية؟”.

وتابع كنعاني يقول: “إن سياستنا ما زالت تتمثل في إلغاء التأشيرات وفتح أذرعنا لإخواننا وأخواتنا الأذربيجانيين”!.

 إذن فمن الضروري أن نؤكد أن جمهورية أذربيجان أو أية دولة أخرى لا يمكنها الوثوق بنظام الحكم القائم في إيران الذي يستخدم أخذ الرهائن منذ سنوات لابتزاز وتبادل الرهائن لتحرير الإرهابيين المدانين في الخارج. فعلى سبيل المثال، يمكننا أن نذكر تبادل أسد الله أسدي، الدبلوماسي الإرهابي الذي حوكم في بلجيكا وحُكم عليه بالسجن لمدة 20 عامًا بموجب القوانين الجنائية البلجيكية، مع موظف إغاثة بلجيكي مسجون في إيران. وقد رحبت العديد من المنظمات الدولية والشخصيات السياسية، بما في ذلك منظمة العفو الدولية، بالإفراج عن أوليفييه فانديكاستيل، وهو موظّف إغاثة بلجيكي مسجون في إيران، لكنها أعربت عن قلقها البالغ بشأن تبادله مع أسد الله أسدي وأعلنت أنه و”بهذا الإجراء، فإن بلجيكا تخلق جواً من الإفلات من العقاب راح يساعد ويقوّض حقوق الضحايا في العدالة والتعويض وضمان عدم تكرار الانتهاكات”.

بالإضافة إلى ذلك، دعت منظمة العفو الدولية المجتمع الدولي، بما في ذلك بلجيكا، إلى الالتزام بتعهداته الدولية فيما يتعلق بعمليات الإعدام والسلوك غير القانوني لنظام الحكم القائم في إيران، وإلا فإن معارضي الجمهورية الإسلامية خارج إيران سيظلّون معرضين لخطر المزيد من الهجمات من قبل عملاء هذا النظام.

ورغم احتجاز النظام الإسلامي للرهائن، شهدنا في الأسابيع الماضية إقامة علاقات دبلوماسية بين إيران والسعودية بوساطة من الصين. فبدأت السفارة الإيرانية في الرياض والقنصلية الإيرانية في جدة أعمالهما في 6 يونيو، وانتُخب علي رضا عنايتي سفيراً لإيران في المملكة العربية السعودية. كان من الممكن أن تكون المملكة العربية السعودية شريكة مهمة للغاية في إقامة معاهدة إبراهيم مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، ولكن مع هذه الخطوة من قبل الصين وإقامة علاقات دبلوماسية بين إيران والمملكة العربية السعودية، فإن إمكانية إقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والسعودية تم تأجيلها إلى مستقبل مجهول، رغم أنه يبدو أن أمريكا تعمل على أن تُقام هذه العلاقات قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية.

إن سجلّ الأعمال الإرهابية للنظام الإيراني خلال الـ 44 عامًا الماضية ومحاولات النظام الإسلامي لتجاوز الخطوط الأمنية السعودية كثيرة، بما فيها إشراك عدد من الإرهابيين في مراسم الحج عام 1997 تحت عنوان “براءة من المشركين” وهذا ما لن تنساه السعودية. كما إن الأعمال الإرهابية التي تقوم بها الميليشيات التي أنشأها النظام في العراق وسوريا ولبنان واليمن جديرة بالاهتمام من قبل المملكة العربية السعودية.

لكن الحقيقة شيء آخر. لقد زعزعت ثورة “المرأة – الحياة – الحرية” أسس حكم النظام الإيراني. لقد أبقى النظام أوضاعه الاقتصادية المفلسة عائمة عن طريق طباعة الأوراق النقدية غير المدعومة، والتي نتج عنها تضخم تبلغ نسبته أكثر من 50٪، الأمر الذي جعل الحياة الطبيعية مستحيلة على المواطنين الإيرانيين. فمن الواضح تمامًا أن مرشد النظام خامنئي لا يستطيع مقاومة هذه الثورة، وهو يحاول كسب الوقت لنفسه ولحكومته من خلال إقامة علاقات مع الجيران. هذا على الرغم من حقيقة أنه ومنذ أكثر من ثلاثة عقود، ومن خلال إنشائه ميليشيات تعمل بالنيابة عنه في البلدان المجاورة لإرساء هيمنته والتأثير على حكم البلدان المجاورة وبتكلفة باهظة للغاية، حاول النظام الإيراني زعزعة الأمن والاستقرار في هذه البلدان. ومن ناحية أخرى، وبسبب الأعمال الإرهابية التي نفّذها النظام الإيراني في دول الجوار، فإن هذه الدول بالكادّ تثق بقادة هذا النظام وستتصرف بحذر شديد في علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.

ويعتقد المحللون السياسيون والاقتصاديون أنه ومن أجل إطلاق الأرصدة الإيرانية المحجوزة بسبب العقوبات، من المحتمل أن يتوصل النظام إلى اتفاق مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي بحيث يتم رفع بعض العقوبات بما ذلك رفع الحجز عن حوالي سبعة مليارات دولار محجوزة في كوريا الجنوبية إضافة إلى إطلاق ما يقارب 11 مليار دولار لدى العراق حتى يتمكن النظام من التقاط أنفاسه مرة أخرى من الناحية الاقتصادية. لكن المؤشرات الراهنة تدلّ على أن هذه العملية أيضًا بدأت تتوقف.

هذا وتوجد لدى النظام مشكلة مع أفغانستان، ونحن نشهد تشكيل النظام عسكريًا على الحدود بين إيران وأفغانستان بسبب مقتل عناصر من حرس الحدود الإيراني على يد عناصر طالبان. كما وقد أغلقت جمهورية أذربيجان المؤسسة الثقافية الإسلامية التابعة للنظام الإيراني في باكو ونصحت مواطنيها بعدم السفر إلى إيران، لأن هناك مخاوف من أن يأخذهم النظام الإيراني كرهائن.

يبدو أن إجراءات النظام الإيراني لتطبيع علاقاته مع جيرانه وتسوية المشكلات المتعلقة بالبرنامج النووي واجهت مشاكل مرة أخرى مما دفعه إلى إعادة ممارسة الدعاية والضجيج الإعلامي. ففي خطابه بمناسبة ذكرى وفاة الخميني، وصف خامنئي بغضب الجميع بالعدو، حتى حكومات نفس النظام السابقة التي اختارها هي (2). واعتبر خامنئي عدم مشاركة الشعب الإيراني في الانتخابات الرئاسية بمثابة “جعل الناس متشائمين بشأن الانتخابات” وقال إنه سيتحدث عنها في المستقبل، لكنه أضاف: “لكن انتخابات هذا العام هي انتخابات مهمة جدًا الآن؛ فإن العدو شغّل مدفعيته لتدميرها ونحن على بعد 9 أشهر من الانتخابات”!

وقال خامنئي مخاطبًا الشعب والشباب والنخب والجماعات الثورية والجماعات السياسية: “إن كل من يحب إيران والمصالح الوطنية ويتمنى تحسن الوضع الاقتصادي ويسعى إلى تصحيح المشاكل الاقتصادية والمعيشية المؤلمة ويسعى إلى رفع مكانة إيران الكريمة في النظام العالمي المستقبلي، يجب أن تعمل على تعزيز الإيمان والأمل والحفاظ عليهما في البلاد “.

وفي 5 يونيو 2023، بدأ خامنئي خطابه بموضوع “الإيمان والأمل”. الإيمان لتحمل المواطنين الظروف المعيشية البائسة؛ أما الأمل في أن يتم حل المشاكل قريبًا. وربط في خطابه جميع المشاكل السياسية والاقتصادية والمعيشية بمؤامرات الأعداء. وبيّن “الإسلام المحمدي الخالص” حسب تعبيره ومن وجهة نظره، وذكر أن قائد الثورة “الإمام الخميني” “كان يؤمن بإسلام الكتاب والسنة مع الاجتهاد المتقن والفهم الصحيح ويرفض رفضًا قاطعًا تفسيرات من يسمون بالمثقفين ولكن الجاهلين عن الإسلام؛ كما كان يعارض تفسيرات الأشخاص المتحجّرين عن الإسلام الذين ينفون وجود الأحكام السياسية والحكومية والاجتماعية في الإسلام بنظرة سطحية ويروّجون لعدم تحمل المسؤولية”.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن خميني وخامنئي يعتبران أن المذاهب الإسلامية الأخرى، والتسنّن والسنة بشكل عام، وخاصة مذهب سكان المملكة العربية السعودية، ليست إلا التحجر؛ ويعمل النظام الإيراني على ترويج ونشر مذهب التشيّع الخاص لهم في العالم الإسلامي بأنه هو الإسلام الحقيقي المسمى بـ “الإسلام المحمدي”! حسب تعبيره. ورفض خامنئي في خطابه ثورة “المرأة – الحياة – الحرية” معتبرًا إياها من صنع أمريكا وإسرائيل والعالم الغربي، ووصف الشباب الثوّار في إيران بأنهم حفنة من الأنذال والأوباش والحمقى الذين صاروا أدوات طيّعة بيد الأعداء. بالإضافة إلى ذلك، نبّه قوات البسيج (“التعبيئة الشعبية”) وقوات الحرس إلى ضرورة الوقوف بإيمان كامل بوجه تصرفات الأعداء. كما وصف خامنئي جميع الإيرانيين المعارضين لنظامه بأنهم ليسوا إيرانيين!!.

وبالنظر إلى الأوضاع الميدانية الحالية، فإن خطاب خامنئي ودعايات النظام حول الهيمنة في الشرق الأوسط والتهديد العالمي، بما فيها تصريحات القادة العسكريين والسياسيين للنظام بشأن التقدم الصاروخي، بما في ذلك صاروخ “خرمشهر 4 (خيبر)” الباليستي وصاروخ “فاتح” بعيد المدى الذي تفوق سرعته سرعة الصوت، يبدو أن خامنئي نفسه وأتباعه لا يؤمنون باستئناف العلاقات الدولية الطبيعية مع العالم وخاصة مع الدول المجاورة لإيران.

العقيد البحري محمد فارسي