التعرف على القادة الميدانيين وقادة المجتمع المدني
بقلم: حميد أقايي عضو مجلس المدراء في مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني
في الأشهر الثلاثة الأولى من القرن الهجري الشمسي الجديد في إيران، صار البلد يشهد توسعًا وتضامنًا للحركات الاحتجاجية أكثر تنظيماً وانتفاضات شعبية احتجاجًا على الغلاء ثم احتجاجات شعبية بعد انهيار برج متروبوليس في مدينة آبادان. الفرق المهم بين هذه الاحتجاجات الاجتماعية والنقابية وما قامت منها في السنوات السابقة يكمن في تزامن الحركات الاحتجاجية والانتفاضات الشعبية الجديدة بعضها مع البعض أو تقاربها وتواليها أكثر فأكثر.
وتزامنًا مع هذه الحركات الاجتماعية – المدنية والانتفاضات الشعبية، أصبح عدم كفاءة نظام الحكم القائم في إيران وضعفه في حل المشاكل السياسية والاقتصادية واضحًا بشكل متزايد لعموم المواطنين. كما ولقد أدى وصول الاتفاقية النووية إلى الطريق المسدود وعزلة النظام الإيراني المتزايدة في المجتمع الدولي، خاصة بعد غزو بوتين العسكري لأوكرانيا ودعم علي خامنئي لبوتين وموقف الجمهورية الإسلامية المؤيد لروسيا، إلى تفاقم الأزمات الداخلية لنظام الحكم وهي أزمات جعلت وتيرة انهيار الجمهورية الإسلامية متسارعة.
يذكر أن نظام الحكم القائم في إيران اتخذ موقفاً هجوميًا تجاه الغرب والولايات المتحدة بعد تعيين إبراهيم رئيسي رئيساً للجمهورية الإسلامية وتوحيد السلطة، وفي نفس الوقت استئناف المفاوضات لإحياء الاتفاقية النووية، ومع حصوله على ورقة تهديد تمثل في خطر تسلحه النووي. لكن هذا الموقف الهجومي أظهر بسرعة نقاط ضعفه وفراغه؛ حيث فشل علي خامنئي وفريقه التفاوضي في فرض أقصى شروطهم على الأطراف المفاوضة. كما ولم يُشطب الحرس الثوري من قائمة التنظيمات الإرهابية. وعلى الرغم من دعم النظام الإيراني بالكامل للغزو العسكري الروسي لأوكرانيا، فقامت روسيا بوتين إلى بيع النفط والغاز بأسعار رخيصة فجعلت بذلك السوق الإيراني المصغّر للنفط أصغر فأصغر، واحتلت مكان الجمهورية الإسلامية في تصدير النفط للصين.
هذا ونجحت إسرائيل وأجهزتها الدعائية في وضع الحكومة في موقف حرج وهشّ من مفاوضات مجلس الأمن الدولي بنشر بعض الوثائق المسروقة من داخل البلد وفضح تجسس الجمهورية الإسلامية ضد الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وقد دفع مجمل هذه الظروف نظام الحكم القائم في إيران أكثر فأكثر إلى زاوية الحلبة. وهناك ثلاثة مقومات مهمة جدًا في مجموعة الظروف هذه. 1- حركات احتجاجية منظّمة. 2- انتفاضات شعبية في جميع أنحاء البلاد. 3- ظروف دولية تعمل على حساب الجمهورية الإسلامية.
هذا ويشكل القاسم المشترك لمطالب وأهداف الأقسام الثلاثة المذكورة نطاقاً محدوداً وليس واسع النطاق بشكل يذكر تُرى في جانب منه “تغييرات هيكلية وتغييرات في سلوك نظام الحكم” وفي جانب آخر منه، “الانتقال من الجمهورية الإسلامية و استبداله بنظام ديمقراطي وعلماني”؛ حيث أنه و بسبب طبيعة النظام وتركيبته المافيائية المركزية، حتى التغييرات الهيكلية أو التغييرات في سلوك الحكومة هي بداية انهيار نظام الحكم القائم في إيران والانتقال من الجمهورية الإسلامية إلى نظام ديمقراطي علماني.
ومن النقاط المهمة جدًا في هذا الصدد الانتباه إلى دور ووظيفة المقومات الثلاثة المذكورة أعلاه. وأرى أنا كاتب المقال، أن أحد الأدوار والمهام الرئيسية والمهمة للغاية للعوامل النشطة الثلاثة في الوضع الحالي والتي تمت مناقشتها في الفقرة أعلاه، هو تحديد الأهداف والمطالب الرئيسية للمجتمع أو غالبية المجتمع؛ كما تقدم، وتتراوح هذه الأهداف من “التغيير الهيكلي” و”تغيير السلوك” إلى “الانتقال من الجمهورية الإسلامية إلى نظام ديمقراطي علماني”.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، هناك حاجة إلى مقوم وعامل آخر، فبدون وجوده النشط ، من المرجح أن يصبح نظام الجمهورية الإسلامية حكومة معلقة بالكامل وسيكون المجتمع والأمة في أيدي عصابات السلطة في ميدان السياسة والاقتصاد وهي الظروف التي قد لا تؤدي إلى تدمير وحدة أراضي إيران ولكنها تجرّ المجتمع والعلاقات الاجتماعية إلى حالة الانهيار أكثر مما مضى.
العنصر المنشود في السياسة هو المجتمع السياسي الإيراني، وتحديداً النشطاء السياسيون والنخب السياسية. وتقع مسؤولية رسم الاستراتيجيات والحلول اللازمة لتحقيق الأهداف المذكورة أعلاه على عاتق هذه الفئة من المجتمع الإيراني. ولا يُتوقع من المواطنين أو حتى منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية تولي هذه المهمة الهامة. فمن واجب النشطاء والنخب على ساحة السياسة عبور الطريق وتقديم رؤية وخطابات واضحة تمنح الناس الأمل في المستقبل.
ولكن مثلما تشكل أهداف غالبية المجتمع الإيراني المحتج نطاقًا محدودًا، فإن استراتيجيات تحقيق هذه الأهداف متنوعة. فبعض القوى السياسية والناشطين يعتبرون فاعلية المكون السياسي المعني، إلى جانب المكونات الثلاثة للحركات الاحتجاجية والانتفاضات الشعبية والظروف الدولية، مشروطة بتشكيل مؤسسة قيادية. كما إن الحلّ المتمثل في تشكيل بديل أو حكومة أو برلمان في المنفى يؤكد أيضًا تشكيل مؤسسة رائدة بطريقة أخرى وبالتالي يتم وضعها في مجموعة مشتركة. وتركز هذه المجموعة المشتركة من الحلول بشكل أساسي على التعاون والتفاعل بين القوى السياسية المعارضة لنظام الحكم القائم في إيران . وبعبارة أخرى، لا يتم إنشاء هذه المؤسسة إلا من خلال الحوار الاستراتيجي بين الحركات السياسية المختلفة والبحث عن أرضية مشتركة.
ولكن نظرًا للتجارب العديدة التي مر بها المجتمع السياسي الإيراني في العقود الماضية وبسبب الخلافات العميقة جدًا التي تُرى بين الاتجاهات السياسية المختلفة وأيضًا بسبب الافتقار إلى ثقافة الديمقراطية والتسامح والتفاعل، فهناك كثيرون ومنهم أنا كاتب المقال يتوقّعون أن هذا الحل، مثل الجهود السابقة، ليس فقط لا يؤتي ثماره، بل يسبب المزيد من الانقسامات. إضافة إلى ذلك، لا يزال المجتمع الإيراني بعيدًا عن الوصول إلى المراحل النهائية للانتقال من الجمهورية الإسلامية إلى نظام حكم ديمقراطي علماني، كما إن الجمهورية الإسلامية رغم تسارع وتيرة انهيارها، لم تصل بعد إلى حافة الانهيار.
وعلى الرغم من عدم وجود شك في الحاجة إلى مزيد من التعاون والتضامن بين القوى السياسية المعارضة للجمهورية الإسلامية، إلا أن الآلية والاستراتيجية لتحقيق المزيد من الوحدة والتعاون وأخيراً تشكيل مؤسسة قيادية تتحقق في المقام الأول من خلال التواصل الفعال للغاية والتعاون مع الحركات الاحتجاجية والمؤسسات الشعبية والأهلية والتفاعل والتخاطب في ما بينها. والواقع أن القوى السياسية على الساحة الإيرانية قد وضعت هذا التفاعل والتخاطب مع قطاعات من المجتمع المدني الإيراني والتعلم منها وتوفير المواد التعليمية للحركات الاجتماعية والنقابات والمؤسسات المدنية في أولويتها.
ومن القضايا المهمة للغاية في هذا المسار هي كسب الثقة المتبادلة بين القوى السياسية والمجتمع المدني والحركات الاحتجاجية النقابية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعاون والتوافق وفي علاقة وثيقة وفاعلة.
وينبغي للمجتمع السياسي الإيراني والقوى والنشطاء السياسيون، قبل السعي إلى إنشاء مؤسسة قيادية سياسية من خلال التبادل والتفاعل مع بعضهم البعض، أن يقيم صلات مع القيادات الوسطى والميدانية في مجال الحركات النقابية والمدنية الاحتجاجية ومع القادة الفرعيين للانتفاضات الشعبية وأن يقوم بالتواصل وتبادل الآراء معهم من أجل الإسهام في تطوير نضال الشعب الإيراني ضد نظام الحكم القائم في إيران وأن يقوم بالتعلم والتدرب وكسب الثقة من هؤلاء القادة المتوسطين وكذلك بتعليمهم. إن إنشاء مركز الفكر من أجل إنشاء مؤسسة القيادة لا يتم إلا على قارعة الشارع جنبًا إلى جنب مع الحركات الاحتجاجية المنظمة. وهذا هو الثمن الأهمّ والأغلى الذي يمكن أن تدفعها القوى السياسية.