ثيوقراطية خلف واجهات جمهورياتية هياكل السلطة للجمهورية الإسلامية في إيران* فيلفريد بوختا

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on telegram

عندما يتجول المرء في عالم دول الشرقين الأدنى والأوسط وينظر كيف تغيرت منذ العام 1979، فإنه سيصيبه شيء من العجب، كيف صمد الحكم الاستبدادي للجمهورية الإسلامية كجزيرة صلبة في هذه المنطقة. فالثيوقراطية الإيرانية ذات الشرعية الاستبدادية تمكنت، وبصمود، من تجاوز الظروف الداخلية والخارجية سواء ما كان منها بسبب معارك عقائدية دموية أوتمردات لأقليات عرقية، أو بسبب ما خاضته من حرب كثيرة الضحايا ولمدة ثماني سنوات مع العراق. وهنا يطرح التساؤل: ما هو سر صلابتها وبقائها؟

ومن أجل ايجاد إجابات على ذلك لا بد من العودة إلى العام 1979، وهو العام الذي أرسيت فيه قواعد بناء هذه الدولة. فمنذ بعيد هرب الشاه محمد رضا بهلوي في شهر يناير من العام 1979 وتركه لإيران، وعودة روح الله خميني من باريس بعده بأسابيع قليلة واستقبله بحفاوة كبيرة نحو مليونين من الإيرانيين، بدأ صراع على السلطة بين جميع القوى السياسية التي كانت منضوية تحت خيمة معارضة الشاه. وفي هذا الصراع كان المنتصرون هم أنصار خميني. فقد تمكن الخمينيون، وفي غضون ثلاثة سنوات، وخطوة بخطوة، إلى تحييد خصومهم، أو إجبارهم إلى الهرب أو اللجوء إلى المنافي أو قتلهم. وكان القرار الحاسم للانفراد بالسلطة، حين تمكنوا من تمرير دستورهم في شهر ديسمبر من العام 1979 في استفتاء شعبي، والذي تم بموجبه تشبيك مؤسسات جمهورياتية وثيوقراطية وبناء دولة في نظام معقد هجين. (أنظر مخطط هيكل السلطة الإيرانية).

وفي قلب هذا النظام تقوم دائرة قائد الثورة ذات الشرعية الثيوقراطية، التي تستمد قوتها الجبارة من خلال علاقاتها بالمؤسسات الأساسية الأخرى والتي تدور في فلك يشكل قائد الثورة قلبه النابض.

إن أهم هذه المؤسسات هي: البرلمان والرئيس والمجالس الأربعة: مجلس حماية الدستور، مجلس الخبراء، مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس الأمن القومي. كما يستكمل هذه التوليفة جيش حراس الثورة المخلص لخميني والمشكل عام 1979 والمعروف في إيران ب: sepah  والذي يسمى كذلك بالحرس الثوري.

 

 

البرلمان، المجالس، الرئيس

 

إن تشكيلة البرلمان الإيراني، والتي يجري انتخابها منذ العام 1980 ولمدة أربعة سنوات ولا يجوز حلها (بموجب المادة 63 من الدستور) لا تقوم وفق المعيار الديمقراطي، حيث أن المرشحين للانتخابات يجب أن يخضعوا لاختيارات مسبقة، لكنه في ذات الوقت ليس مطابقاً تماماً لبرلمان صوري كما يريده الزعيم. فالنقاشات الكثيرة المتضادة والعنيفة والتي لا يمكن وصمها بالمعدة مسبقاً أو الموجهة، تظهر مراراً صلابة وقوة صراعات الاتجاهات بين المحافظين والمعتدلين والمطالبين بالإصلاحات. إن البرلمان يصوت على القوانين ويصادق على المعاهدات الدولية ويراجع ميزانية الدولة ويصادق عليها. كما أنه يمتلك الحق في حجب الثقة عن وزراء ممن تطالهم دوائر النقد بسبب أدائهم، وحتى رئيس الجمهورية،  بتهمة أساءة استخدام السلطة، وخاصة منذ العام 1989. وكان أول من أصابه ذلك، ولم يكن شخصية قليلة الأهمية، وهو أول رئيس للدولة المشكلة حديثاً، وأحد المقربين لخميني، هو أبو الحسن بني صدر، الذي حجبت عنه الثقة في يونيو من العام 1981 ليهرب بعدها لاجئاً في الخارج.

 

إن مجلس حماية الدستور المنتخب والذي يتمتع بحق الإعتراض “الفيتو” هو في الواقع يمثل الهيأة العليا الشرعية المشرفة على أعمال البرلمان. فهو يقوم بمهمة المراقبة في ما إذا كانت القوانين التي يصدرها البرلمان مطابقة للقوانين الإسلامية. وعندما يساوره الشكك في ذلك فإنه يقوم بإعادتها إلى البرلمان لغرض مراجعتها.

إن نصف أعضاء مجلس صيانة الدستور البالغ عددهم 12 عضواً ينقسمون إلى مجموعتين: المجموعة الأولى البالغ عددها 6 أعضاء يجري تسميتهم من قبل قائد الثورة ومن رجال الدين الذين هم بدرجة آية الله ( وهو اللقب الثاني الأهم في الإسلام الشيعي). أما المجموعة الثانية والبالغ عددها 6 أعضاء كذلك فإنه تجري تسميتهم بناءً على اقتراح من مدير الهيأة التشريعية في البرلمان ومن رجال دين قانونيين.

وحيث أن مدير الهيأة التشريعية يجري تسميته من قبل قائد الثورة، فإنه ستكون الستة الأخرى من رجال الدين القانونيين من المخلصين لقائد الثورة. إن مجلس حماية الدستور ومنذ العام 1980 كان وبصورة دائمة مسيطر عليه من قبل المحافظين.

وإلى جانب دائرة قائد الثورة ذاتها يعتبر مجلس حماية الدستور، وبسبب دوره الرئيسي، من أهم المؤسسات التي تراقب وتحمي الخصوصية الثيوقراطية للنظام. فهذا المجلس يقوم بدور المحكمة الدستورية العليا، ويفحص قبل كل شيء جميع الانتخابات (البرلمانية، مجلس الخبراء والرئاسة) من حيث الولاء ويستبعد المرشحين الذين يبدون غير مناسبين.

 

أما مجلس الخبراء فهو المجلس الذي يجري انتخابه مباشرة من الشعب كل ثمانية سنوات والذي يتشكل من 88 عضواً من هيأة رجال دين. وبحسب الدستور الإيراني يتمتع المجلس بحق انتخاب قائد الثورة، وكذلك حق، على الأقل نظرياً، إعفائه من المنصب بسبب عدم القدرة على مزاولة مهمة المنصب. فعند وفاة القائد أو (عند عدم القدرة على تأدية مهامه)، يجري وقتياً تولي تلك المهمة مجلس يتكون من الرئيس ومدير الهيأة الشرعية ورجل دين من مجلس صيانة الدستور لحين انتخاب خليفة للقائد في منصبه. صحيح أنه يمكن لمجلس الخبراء أن يعزل قائد الثورة بسبب ضعف صحته أو تلكؤه في مهامه، إلا أن ذلك ليس أكثر من مسألة نظرية، لا سيما وأن أعضاء مجلس صيانة الدستور هم من يقوموا بتزكية المرشحين، لمجلس الخبراء الذين يقومون بدورهم بانتخاب قائد الثورة، وفي هذه الحالة علي خامنئي، الذين سبق لهم، بالطبع، ممن تمتعوا بالولاء لقائد الثورة.

 

لمجلس تشخيص مصلحة النظام، وكما يسمى غالباً بمجلس التأسيس، مهمتان،

الأولى: هي أنه الجهة التي صاحبة القرار عندما يحصل اختلاف بين البرلمان ومجلس صيانة الدستور وبالتالي تتعطل عملية اصدار القوانين.

الثانية: يتوجب عليه، وبموجب الدستور، القيام بتقديم المشورة لقائد الثورة. يتكون المجلس في الوقت الحاضر من 43 عضواً، جميعهم يحددون من قبل قائد الثورة. وخلال فترة عمر الرئيس القوي السابق ، علي أكبر رفسنجاني، الذي ترأس المجلس لفترة طويلة، تمتع المجلس بتأثير كبير. لكنه وبعد وفاة رفسنجاني عام 2017 تلاشى إلى دار إقامة لكبار السن أو مكاناً لركن موظفين سابقين كبار.

إن صلاحيات السلطة التنفيذية تنحصر في يد الرئيس الذي يجري انتخابه كل أربعة سنوات، والتي يمكن أن تمدد إلى ثمانية سنوات في حال انتخابه ثانية. ولكونه رئيساً للحكومة فإن الرئيس يقوم بتسمية وعزل السفراء والوزراء، والذين يجب أن تجري المصادقة عليهم من قبل البرلمان، وكذلك وزراء الداخلية ومحافظين 31 محافظة. إضافة إلى ذلك فإنه يقوم بتسمية مدراء كل من دوائر السياسة المالية والاقتصادية المهمة وهما دائرتان مهمتان كثيراُ، والبنك المركزي ودائرتي التخطيط والميزانية، التي تقومان بدعم عمل الرئيس عندما يقوم بعرض ميزانية الدولة أمام البرلمان. إضافة إلى ذلك فإنه يتولى الرئاسة، اسمياً، لمجلس الأمن القومي الذي يتكون من 12 عضواً دائميين والذي يتولى جميع فعاليات الحكومة في مجالات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية. أعضاء مجلس الأمن القومي هم مدراء من السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وقيادة الأركان العامة للقوات المسلحة ودوائر التخطيط والميزانية وأجهزة وزارات الخارجية والداخلية والمخابرات والحرس الثوري والجيش النظامي ومن وزرات معينة بحسب فقرات جدول أعمال الاجتماعات وممثلين عن دائرة قائد الثورة. وحيث أن الممثلين الأخيرين يستندان إلى سلطوية قائد الثورة فإن لهما قوة التأثير في هذه الهيأة، وبالتالي فهما، عملياً، فوق سلطة الرئيس الاسمي لهذه الهيأة. أحد ممثلي خامنئي يقوم بمهام السكرتير العام لمجلس الأمن الذي يمتلك الصوت الأعلى، والذي كان قد شغله الرئيس الحالي حسن روحاني خلال الفترة من 2003 إلى 2005.

وبالمقابل فإن الرئيس يخضع لقائد الثورة. فهو ينفذ توجيهاته وليس له من سيطرة على القوات المسلحة. ومع ذلك فإن دور الرئيس، كرقم أثنين في النظام، لا يمكن التقليل من شأنه، لأنه إذا حدثت نزاعات بين قيادات النظام فإنها ستصب في مواجهات وتهدد بتعطل النظام وفي أسوأ الحالات خروجه عن السيطرة إلى الفوضى السياسية. من أجل ذلك يعمل قائد الثورة وبصورة دائمة على اشراك الرئيس في أساسيات السياستين الداخلية والخارجية، وعلى سبيل المثال خلال المباحثات الأسبوعية المقفلة بين قائد الثورة والرئيس.

 

قائد الثورة

إن الدستور الجديد كان قد وضع الخميني كمركز للسلطة وحسب المقاس في الدائرة الثيوقراطية لرجل الدين الحاكم في إيران وخاصة في شخص قائد الثورة المسمى “rahbar”. هذه الدائرة قامت على أساس أطروحة لخميني كان قد أعدها في منفاه العراقي في مدينة النجف عام 1970 والمسماة: ولاية الفقيه. تقوم هذه الأطروحة على تفسيراته الذاتية لبعض آيات القرآن وعلى أقوال متداولة للأئمة والنبي محمد، والتي برر بموجبها حاكمية الفقيه، المؤهل جيداً شرعياً ووعياً سياسياً لرجل دين شيعي. وحيث أنه يعلو على غيره في ذلك قوة قيادية سياسية وثيوقراطية، فقد استحق بذلك أن يحكم من أجل أن ينقذ الإسلام ويقيم مملكة العدالة للإمام المختفي الثاني عشر للشيعة، المهدي، وينوب عنه ويمهد له.

واستناداً على أطروحة خميني قامت دائرة قائد الثورة لتضع الخطوط العريضة للسياستين الداخلية والخارجية. فهو يسيطر على الشرطة والعدل، الحرس الثوري، الجيش النظامي ومؤسسات الإذاعة والتلفزيون الحكومية. إنه يمتلك السلطة في حل المؤسسات الدستورية الجمهورية للرئيس والبرلمان، حينما يجدها تعمل ضد مصالح النظام وأهداف الثورة.

وعندما توفي الخميني يوم 3 يونيو من العام 1989، قام مجلس الخبراء بانتخاب ممثله رجل الدين الأهم بعد يومين، علي خامنئي، حيث كان حينها رئيساً للجمهورية، وليصبح قائد الثورة الجديد. وبذلك فقد منعوا حدوث فراغ في السلطة، كان من الممكن أن يؤدي إلى نوع من عدم إستقرار النظام. ومع موت الخميني انتهى عصر الاستبدادية الكاريزمية. فلقد كان قد تمتع الخميني وبسبب تأهيله الثيوقراطي كآية الله العظمى الشيعية، وبسبب صلابة مقاومته ضد الملكية الشاهنشاهية وما تمتع به من كاريزما سلطة سياسية لا يمكن الطعن بها. وقد جاء اختيارعلي خامنئي كمرشح توفيقي للأجنحة المختلفة لنخب النظام، وبسبب من عدم قوة شخصيته، فقد كان عليه أن يكافح لعدة سنوات من أجل تجاوز ذلك النقص. فقد اعتمد منذ البداية على الإدارات الفرعية والصغيرة وشبكات مراقبة متشابكة. في البدء استند خامنئي على التعاون مع الرجل القوي الرئيس السابق رفسنجاني، الذي أعانه على فوزه كمرشح لقيادة الثورة. وتدريجياً استطاع أن يتخلص من الظلال الثقيلة لرفسنجاني وأن يسحب إلى جانبه أهم ضباط الحرس الثوري وكثيراً من قواعد المحافظين. وبفضل مساعدتهم وبفضل مكاتب قائد الثورة التي توسع في تأسيسها والتي عمل فيها ما يزيد عن 300 من أتباعه، والتي عملت كأهم مراكز الحكم للنظام، ساعدته على الحفاظ على سلطته.

لكن، وبرغم ذلك، فهل أصبحت سلطة قائد الثورة غير مقيدة؟ الجواب: لا، فقد وضع عامل ما حدوداً: الهياكل المتعددة لمراكز السلطة المتصارعة على الدوام مع بعضها البعض. في عقد الزمن من العام 1979 إلى العام 1989 الذي حكم فيه الخميني تبلورت، وفي مجموعات صغيرة ومختلفة ومعسكرات متفككة، ثلاثة فئات: المحافظون، والمعتدلون العمليون في سياستهم الداخلية والخارجية، وأخيراُ الأسلاميون اليساريون، ومنهم انبثق لاحقاً، ومنذ عام 1995 حيث جنحوا سياسياً إلى الاعتدال، الاصلاحيون الذين يبحثون عن ليبرالية سياسية داخلية.

إن جميع مجموعات أجنحة النخب بما فيهم الإصلاحيون، يمثلون اليوم ليس فقط مصالحهم المادية الذاتية، وإنما مصالح أتباعهم، الذين يسعون لاشباع حاجاتهم من ايرادات الشركات الحكومية والمؤسسات التي يقومون على قيادتها. أما أن أن تكون مجموعات أجنحة النخب قد اغتنت من خلال اقتصاد المحسوبية والمنسوبية والفساد، ولا زالوا، فهو معروف على نطاق واسع.

ومن أجل تطبيق قرارات مهمة يجب على خامنئي كذلك اتباع مبدأ المقايضة وأن يعمل على تقديم مقابل للاعبين رئيسيين في النظام بعض الأحيان من أجل تجاوبهم وكسب ولائهم. إن خامنئي يصرف كثيراً من الوقت والجهد لكي يحافظ على استقرار النظام وتوازنه، سواء من خلال وقوفه تارة مع هذا الجانب، وتارة أخرى مع الجانب الآخر، أو ربما عمل على ضرب المتنافسين بعضهم بالبعض الآخر، أو حتى القيام بدور الوساطة والصلح بينهم.

 

الحرس الثوري

إن مركز السلطة الثاني القوي في إيران هم الحرس الثوري. كان مؤسس الجمهورية خميني كان قد أسس الحرس الثوري في شهر مايو من العام 1979 لأنه لم يكن يثق بأجنحة السلطة ” artesh” القدامى من قوات الجيش الذي اسسه ودربه الشاه حسب العقيدة القومية الإيرانية. لقد كان الهدف من تأسيس جيش الحرس الثوري أن يكون قوة ضاربة موازية من أجل حماية الثورة والنظام من الأعداء الداخليين والخارجيين. وهكذا تمكنوا من القضاء عام 1979 ليس فقط على مقاومة الأقليات الانفصالية من الأكراد والبلوش والتركمان، وإنما هزموا عام 1981 كذلك مجاهدي خلق الاسلاميين الماركسيين، الذين أصبحوا الخطرالأكبر على الجمهورية الإسلامية بعد فض تحالفهم مع خميني.

كانت تجربة الحرس الثوري الإيراني في حرب تقليدية عام 1980 عندما دخلت قوات الديكتاتور صدام حسين في شهر سيبتمبر من العام 1980 الأراضي الإيرانية. وخلال الحرب أسسوا قواتهم العسكرية الخاصة، من قوات برية وسلاح جو وقوات بحرية، وهم اليوم بفضل حماية الملالي وتقنيات أسلحتهم ودعمهم المالي أصبحوا متفوقين على القوات المسلحة التقليدية. في ذات الوقت أسس الحرس الثوري، وبموافقة من القيادة الدينية المدنية، ميليشيات شعبية قوية قوامها 90 ألف رجل تعمل تحت قيادتهم، الباسيج أي الحشد. كما تزايد عدد هؤلاء في الوقت نفسه، لكنه لا توجد بيانات رسمية حول العدد الجديد. يشكل الحشد شبكة ويقوم على مجموعة من المواقع العسكرية داخل المناطق الريفية وفي الأحياء الفقيرة للمدن الكبيرة، وكثيراً منهم في الجوامع. فهم العيون والآذان والهراوات المحلية لسلطة الملالي. وبذلك تصبح من واجباتهم الأساسية مراقبة تطبيق تعليمات الملابس والتصرفات الشرعية، وقمع التمردات.

لقد نشأ ومنذ العقد الأول للجمهورية الإسلامية تقسيم عمل لا يزال ساري المفعول: يكون الجيش المحيد سياسياً بتعداده البالغ 350 ألف عضواً مسؤولاً عن الدفاع التقليدي عن البلد ضد الأعداء الخارجيين، ويكون أغلب جنوده متمركزين في معسكرات قرب الحدود الإيرانية، في حين أن مجال مهمات الحرس الثوري، هي أوسع بكثير حسب الدستور من العام 1979. فهم منوط بهم ليس فقط الدفاع عن الثورة والنظام الإسلامي والأمن القومي، وإنما كذلك مهام تصدير الثورة وحماية جميع المسلمين المضطهدين في العالم والدفاع عنهم.

ومن أجل ذلك جاء تأسيس الوحدة الخاصة لأفواج القدس، التي تستخدمها طهران كذراع لها في تنفيذ المهام السرية في الخارج. ومن حينها فقد تطورت سرايا القدس إلى جهاز استخبارات عسكرية قوية. ومنذ العام 1998 وحتى العام 2020 كانت تلك السرايا تعمل تحت قيادة الجنرال قاسم سليماني. وبعد مقتل سليماني في يناير من العام 2020 في بغداد أثر هجمة لطائرة مسيرة تابعة للقوات الجوية الأمريكية، تولى الجنرال اسماعيل قاني منصبه. إن التسمية الممنهجة، القدس، هي التسمية العربية لمدينة أورشيليم، إنما تكشف كثيراً عن نوايا التوسع للمتشددين الإيرانيين، الذين يهدفون إلى تحرير فلسطين وتدمير الدولة الإسرائيلية.

ومنذ تسعينات القرن الماضي تمكنت سرايا القدس من كسب حلفاء محليين كثيرين في كل من لبنان والعراق وسورية. لذلك تتمتع إيران بتأثيرات قوية على صناع القرار في هذه الدول. ففي الصراع على الهيمنة السياسية في منطقة الشرق الأوسط والأدنى فإن ذلك يمثل ورقة رابحة في يد طهران تستخدمها مراراً، وبنجاح، ضد عدوها اللدود العربية السعودية.

بعد العام 1989 توجه الحرس الثوري الإيراني إلى القطاع الاقتصادي كمجال عمل كبير.(2) وكانت الانطلاقة إلى ذلك قد قامت بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية عام 1988، على أمل أن يحصل العاطلون عن العمل من المحاربين القدامى على مصادر ايرادات مستقلة والتخفيف على ميزانية الدولة. من أجل ذلك قام الحرس الثوري وبتكليف الرئيس السابق رفسنجاني بإعادة بناء البنى التحتية والصناعة في المناطق التي دمرتها الحرب. وكان ذلك خطأً كبيراً: حيث مهد رفسنجاني بذلك لهم الطريق، دون عمد، لبناء امبراطورية شركات أعمال ضخمة، والتي أصبحت تهدد اليوم بامتصاص ميزانية الدولة والاقتصاد، حيث تستند على تكتل الشركات الهندسية: خاتم الأنبياء، التي توظف كثير من الجنرالات وبأزيائهم الرسمية في مجالات اقتصادية متعددة. إن مجال النشاطات الاقتصادية كبير جداً: فقد بدأ بضم أعمال في حقول النفط والغاز، مروراً ببناء المصافي والشوارع والسدود وسكك الحديد وخطوط قطارات الأنفاق والموانى الجوية والبحرية، كما شمل العمل في المناجم ومصانع السيارات وسلاسل الفنادق وإنتهاءً بتطوير الصواريخ والطائرات المسيرة والمعدات الحربية الأخرى. إضافة إلى ذلك يمارس الحرس الثوري أعمالاً في قطاع التأمين ومؤسسات الاقراض والمصارف الأهلية، وحتى أخيراً في فروع في الخارج. كما أنهم يمارسون، علاوة على ذلك، العمل في مجالات صحف ومجلات كثيرة ووكالات أخبار وجامعات ومراكز فكرية وشركات اتصالات.

ويبدو أن الأمر، وفي صفقات اقتصادية دولية كثيرة، يدور حول صفقات اجرامية. فحسب وزارة الخزانة الأمريكية تخدم شركات أجنبية كثيرة الحرس الثوري كشركات تمويه وتغطية تجري خلف واجهاتها صفقات نفط وسلع أخرى مهربة وغسيل أموال وعملات مزورة وتجارة مخدرات.(3) وهذا ما يزيل العجب عن كثير مما أصدرته الولايات المتحدة الأمريكية من عقوبات ضد أيران باعتبارها داعمة دولية للإرهاب والتي تسهدف نشاطات مؤسسات وناشطين داخل هذه الامبراطورية الاقتصادية.

ويمكن في الوقت الحالي تقدير ما يزيد عن 1200 شركة ومؤسسة يملكها الحرس الثوري في إيران وخارجها، والتي تتعاون على وجه الخصوص مع 120 من المؤسسات الوقفية ذات القوة المالية الكبيرة والتي تسمى “Bonyads” والتي تخضع مباشرة لقائد الثورة. وبذلك يسيطر الحرس الثوري على 40% على الأقل من اجمالي الاقتصاد الإيراني، في حين يقدر آخرون نسبة أعلى من ذلك بكثير. إن أكثر خبراء إيران يعتقدون بأن صفقات إيران السنوية لا يقل حجمها عن 40 مليار دولار أمريكي.(4)

ولم يقتصر تنامي تاثير الحرس الثوري على المجال الاقتصادي فحسب، وإنما أمتد ذلك في الوقت نفسه إلى السلطتين التنفيذية والتشريعية. فمنذ العام 2004 فقد قفزت نسبة أعضاء سابقين في الحرس الثوري في البرلمان. فهم يتراوحون الآن ما بين 60 و 90 عضواً من أصل 290 عضواً في البرلمان كانوا سابقاً يعملون كضباط في الحرس الثوري،(5) بما فيهم رئيس البرلمان الحالي ومنذ العام 2007 علي لاريجاني (ومن خلفه قبل فترة قصيرة). وكذلك هو الحال في مكاتب الرئيسين محمود أحمد نجاتي وحسن روحاني.

يضم الحرس الثوري اليوم أكثر من 120000 رجل، منهم جزء كبير يعمل في مجال الأمن الداخلي. كما يقوم كبار السياسيين والنخب القيادية باختيار حماياتهم من بين صفوف الحرس الثوري. كما تتولى وحدات خاصة من الحرس الثوري علاوة على ذلك حماية المنشآت الاستراتيجية الهامة مثل المطارات والمنشآت النووية والمختبرات البحثية والمراكز الوثائقية. هذا إضافة إلى أن للحرس الثوري جهاز مخابرات مستقل عن وزارة المخابرات، والذي يعمل في الداخل والخارج. كما تعمل وحدة خاصة من جهاز مخابرات الحرس الثوري وبتعاون وثيق مع ما يسمى “بشرطة العدل” المسيطر عليها من قبل قائد الثورة، حيث تقوم هذه الشرطة بجمع الأدلة والأقوال خلال التحقيقات. إلى جانب ذلك هناك وحدة خاصة تراقب جزءً من السجون الإيرانية خصوصاً الجناح الأمني العالي في سجن طهران سيء السمعة، سجن إيفين. كما يسجل القسم الأكبر لأعمال القمع ضد المعارضين والصحفيين المنتقدين وممثلي المنظمات غير الحكومية على حساب هذه الوحدات الخاصة. ومن خلال استخدام الاعتقالات التعسفية ضد إرهابيين وجواسيس مفترضين يخرج الحرس الثوري باستمرار وتحت التعذيب باثباتات تدين سعيهم إلى زعزعة أمن إيران لصالح أعداء إيران الخارجيين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.

 

الصراع حول الانفتاح

 

في إطار الثنائية بين الثيوقراطية والجمهورياتية والتي تجسدها قيادة الثورة من جهة، ورئاسة الجمهورية من جهة أخرى، لا يمكن التجنب الكلي لما يسمى بخسائر الاحتكاك والتنافس. ويكمن التحدي في محاولات الرؤساء في الحصول على مزيد من الاستقلالية، والتي يعمل خامنئي على إعادة الأمور إلى نصابها خلال مدد حكم الرؤساء باستخدام ما يسمى: سلطة الكلمة الأخيرة. هذه الخبرة المرة في اضطرار الرؤساء للركوع أمام إرادة خامنئي، عاشها كل الرؤساء. وهكذا تمكن خامنئي من أن يعيق درب المعتدل رفسنجاني الذي عمل رئيساً من العام 1989 إلى 1997 والرئيس الإصلاحي محمد خاتمي الذي تولى الرئاسة من 1997 إلى 2005 في محاولاتهم، وبلطف، على انفتاح النظام إلى الخارج وتحرره بعض الشيء في الداخل. وعلى أية حال فإن التوسع الذي حصل ما بين عامي 1989 و 1997 في أجهزة المخابرات والقمع جرى بترتيب مع رفسجاني، لكن القوة المحركة لذلك والمستفيد الرئيسي منها كان هو خامنئي. وحتى الرئيس الذي اعقب خاتمي والموصوف بأنه محافظ متشدد أحمدي نجاد (2005 – 2013) جرى في الفترة الأخيرة رفض طلباته من قبل خامنئي، حيث شكل ذلك منعطفاً فجائياً لدى كثير من المراقبين بسبب التطابق الإيدولوجي بين الإثنين. ففي السنوات الأولى انتهج أحمدي نجاد، وبالاتفاق مع خامنئي،  طريق التصادم مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ومن خلال دفعه البرنامج النووي الإيراني إلى ألامام. في ذات الوقت قلص أحمدي نجاد كثيراً مما تبقى من إجراءات إصلاحية من تلك التي ابتدأها خاتمي في مجالات حرية الرأي والصحافة. إن هذا الوفاء للنهج كان له أن يثمر لصالح أحمدي نجاد عام 2009. وحيث قامت احتجاجات كبيرة بسبب إعادة انتخابه والتي إدعت تزوير الانتخابات لصالح الرئيس الإيراني، لم يتردد خامنئي من دعم أحمدي نجاد حيث أمر بالإعتراف بنتائج الانتخابات وقمع التظاهرات والاحتجاجات.

لكنه، وعندما أراد أحمدي نجاد عام 2011 عزل وزير المخابرات، الذي لا يخضع له في الحقيقة وأنما لخامنئي، خرج من دائرة رحمة خامنئي. وعندما انتهت مدة رئاسته بعد سنتين كان قد ترك البلاد في حالة عزلة سياسية خارجية، وبسبب عقوبات الغرب الاقتصادية في حالة شبه إفلاس. ومن أجل تحاشي حالة حرب مهددة مع الولايات المتحدة الأمريكية وانهيار اقتصادي إضطر خامنئي لمزيد من المرونة والواقعية. وهكذا وافق عام 2013 على الترشيح لمنصب الرئاسة لحسن روحاني، المحافظ المعتدل والمؤيد للمفاوضات النووية مع الغرب على أمل رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران. وبعد أن تم انتخاب روحاني بمساعدة أصوات المعتدلين والإصلاحيين، تمكن في شهر يوليو من العام 2015 وبفضل اسناده من قبل خامنئي تم توقيع اتفاقية فيينا النووية مع دول مجلس الأمن صاحبة حق الفيتو وألمانيا.

وحتى روحاني الذي تحقق انتخابه، وإلى حد كبير، بفضل وعوده لتجاوز الأزمة الاقتصادية  وتعزيز دولة القانون، بقي منزوع السلطة.

إن الحرس الثوري والجناح المحافظ لنخبة الدولة يتساندون من أجل الاحتفاظ بالسلطة، وبالتالي هم في حالة اعتماد على بعضهم البعض. فالحرس الثوري، يريدون وبكل جهدهم، منع الاصلاحيين والمعتدلين من انفتاح النظام الاقتصادي والسياسي. إن رفضهم يأتي ليس لأسباب آيدولوجية فقط، وأنما، وعلى الأقل، بسبب خوفهم الشديد من ضياع سلطتهم السياسية ومنافعهم الاقتصادية، حيث سيشتد عندها تحرير قانونية الدولة واقتصاديات السوق الخاص ومنافسة الاستثمارات الأجنبية. أما في ما يخص خامنئي فإنه يعتمد على القوة العسكرية للحرس الثوري، وهذا ما تبين من خلال أحداث الإضطرابات التي سببها رفع أسعار البنزين عام 2019، وكيف سارت وكيف انتهت. كما كانت عوامل أخرى قد ساهمت في إشعال تلك الإحتجاجات المرة بدعوى إهدار الأموال في أعمال التوسع الاقليمي العدواني للحرس الثوري وفق سياسة طهران، وهي أموال تحتاجها إيران لإصلاح الاقتصاد وتوفير احتياجات السكان. إن الحرس الثوري الذي ساهم في قمع الإحتجاجات بالقوة والتي ذهب ضحيتها على أقل تقدير 500 متظاهر، أكد من جديد أنه المدافع الوفي عن مراكز سلطة الملالي الثيوقراطية الشرعية، التي يقف على رأسها خامنئي. إن قوة الحرس الثوري الحالية سوف تتنامى أكثر في المستقبل. وإذا كان هناك بعض المراقبين من يتوقع أن يقوم جيش الحرس الثوري بالإنقاض على السلطة،(6)  فإن ذلك يبدو احتمالاً ضعيفاً. الأكثر احتمالاً هو أنه في حالة تنازل خامنئي عن السلطة السياسية وحصول صراع حاد على من يخلفه، فإن الحرس الثوري سيقوم بلعب دور: صانع الملك. وعليه فإن من يحب أن يكون قائداً للثورة عليه أن يتذكر أنه سيبقى مديناً في ذلك للحرس الثوري.

 

 

ملاحظات الحواشي:

  • تقوم هذه المساهمة على منشورات عديدة وخاصة للمؤلف، فلفريد بوختا. من يحكم إيران؟ هيكل السلطة في الجمهورية الإسلامية. واشنطن دي سي 2000. ومن أجل الوقوف على قائمة حول نشريات المؤلف، أنظر:

https://wilfried-buchta.de

  • للمزيد حول ذلك، أنظر: حسام فوروزان/ أفشين شاهي، الجيش والدولة في إيران: النهوض الاقتصادي للحرس الثوري، في:

Middle East Journal 1/2017, S. 67-86

  • قارن:

Congressianal Research Service Reports, No. RS20871, Updated January 24, 2020, insb. S. 34ff., https://fas.org/sgp/crs/mideast/RS20871.pdf.

  • قارن:

Saeed Ghasseminejad, How Iran s Mafia-Like Revolutionary Guard Rules The Country s Black Market, 11.12.2015,

www.fdd.org/analysis/2015/12/11/how-irans-mafia-like-revolutionary-guard-rules-the-countrys-black-market.

  • مقابلة للمؤلف مع حسن شريعتمداري، هامبورغ، 6/3/2020، حسين شريعتمداري هو السكرتير العام للمجلس الانتقالي الإيراني، ITC، وهو تحالف مجموعة من قوى ديمقراطية معارضة لإيرانيين في المنفى.
  • قارن: سعيد جولكار، هل أن انقلاباً عسكرياً ممكناُ في إيران؟

Is a Military Coup Possible in Iran? 24.4.2018,

www.aljazeera.com/indepth/opinion/military-coup-iran-180424144510759.html.

 

فلفريد بوختا

ألماني، حاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الإسلامية. عمل ما بين الأعوام 2005 و 2011 في بغداد كمحلل سياسي لبعثة الأمم المتحدة في العراق. خبير عالمي معروف في الموضوعات المتعلقة بالعراق وإيران والشيعة، والتي نشرعنها كثيراً

https://wilfried-buchta.de

 

*المصدر:

Wilfried Buchta, Eine Theokratie hinter Republikanischen Fassaden,

Machtstrukturen der Islamischen Republik Iran, APuZ Zeitschrift der Bundeszentrale für politische Bildung bpb, 70. Jahrgang, 21-22/2020, 18. Mai 2020, S. 27-33,

Beilage zur Wochenzeitung: Das Parlament

 

 

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on telegram