البدائل المزورة، سلاح بيد النظام الإيراني

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on telegram

النواة الرئيسية لمعارضي النظام (أو “القيادة”) يجب أن تتبلور في خارج البلد، لكيلا يمكن للنظام تحريفها أو قمعها

 

بقلم: ليلى زارعي

كلما تستمر حياة نظام الحكم هذه في إيران، فيكون المواطنون داخل البلد هم ضحاياها الذين يعانون من آلاف من المشاكل ويريدون أن يرفعوا أصواتهم بالاحتجاج بحناجر دامية، ولكنهم يصابون بالدواخ في هذه الزوبعة الضبابية للمعارضة وتعدد الأحزاب والبدائل حيث لا يقدرون على تمييز الطريق عن المتاهة. وفي هذه الأثناء يأتي اختلاق بدائل مزورة في داخل البلد وإضعاف المعارضين في خارجه ليكون سلاحا جديدا بيد نظام الحكم القائم في إيران.

يمضي أكثر من أربعين عاما على ثورة 1979 في إيران ونحن أصبحنا في هذه الأيام نكشف أكثر مما مضى عدم كفاءة نظام الحكم القائم في وطننا إيران. إن حالات الفساد الاقتصادي الهائلة والتضخم الجامح والبطالة الواسعة إضافة إلى عدم كفاءة المسؤولين وعدم وجود خطط لديهم و… إلخ تكاثفت وتكدست لتفرض أعباء كبيرة على عواتق المواطنين من الطبقات  السفلى في المجتمع الإيراني. هذه الظروف تسببت في حصول حالات استياء غير مسبوقة في أوساط المواطنين الإيرانيين من شأنها دفعهم إلى الإضراب عن العمل والتدفق في الشوارع للاحتجاج وتنظيم المظاهرات والمسيرات، الأمر الذي يعتبر نوعا من معارضة النظام والعمل على الانتقال منه إلى الديمقراطية والحرية.

أما الموضوع الذي يكتنف دوما في هذه الأثناء أذهان جميع المعارضين لنظام الحكم فهو عدم وجود “بديل” لهذا النظام، وهذا أمر يبدو مهما وحيويا للغاية، لأنه طالما يجهل المحتجون في الشوارع هدفهم من الاحتجاج على الأوضاع الراهنة ويجهل أساسا من الذي يقودهم وما هو فكره، فلا يمكن الأمل في أن تتكلل الاحتجاجات بالنجاح.

إن تجربة ثورة 79 قد أثبتت لنظام الحكم أنه ما لم تتمكن الفصائل المعارضة له سواء في داخل إيران أو في خارجها، من إنشاء بديل قوي، فلن تتمكن أيضا من مواجهة النظام وإسقاطه. ولهذا السبب قام النظام ومنذ السنوات الأولى للثورة بقمع وسجن واغتيال أو إعدام أولئك المعارضين له الذين كان يمكن لهم إنشاء بديل له.

وفي الوقت نفسه قام نظام الحكم بانتهاج طريق آخر لإفشال جهود معارضيه لتوحيد صفوفهم وإنشاء البديل وهو اختلاق بدائل مزوّرة أو مصطنعة. ويمكن مشاهدة الأمثلة على ذلك في رفع النظام راية الإصلاح واختلاقه جناحي المحافظين والإصلاحيين؛ أي عندما عمل النظام على الإيحاء بأنه نظام حكم مرن يمكن إصلاحه، الأمر الذي أدى إلى وصول كل من محمد خاتمي وحسن روحاني إلى رئاسة الحكومة تحت شعار الإصلاحية، ولكن الجميع لاحظوا أنه لم يتم أي إصلاح ولا أي انفتاح، بل استمرت أوضاع المواطنين المتدهورة والمفروضة عليهم نتيجة عدم كفاءتهما.

ولكن الآن يبدو أن نظام الحكم، ونظرا لعدم إقبال المواطنين على انتخاباته النيابية وفشل مواقفه الاقتصادية والسياسية والإقليمية، يبحث عن حل من شأنه التعويض عن حالات الفشل هذه والإيهام بأنه يتمتع بالشعبية. وفي هذا الإطار، يحاول مخططو النظام أن يستفيدوا من أجواء المعارضة والاستياء التي تسود المجتمع الإيراني أيضا ليطلقوا بعض الحريات التي تكاد تكون مسرحية في داخل البلاد لكي ينزع بذلك زمام المبادرة عن فصائل المعارضة خارج البلاد والتي يبدو في الآونة الأخيرة أكثر تلاحما وتقاربا مما مضى. 

هذا ويلاحظ في هذه الأيام أن أشخاصا داخل البلاد يطرحون بمنابر مختلفة ادعاءات بقيادة معارضي النظام والحركات الاحتجاجية وهم يرون أن على الفصائل المعارضة الإيرانية في خارج البلاد أن تسير خلفهم. ومن المؤسف أننا نلاحظ أن بعضا من وسائل الإعلام في خارج البلاد تساير هذه الموجة والحركة المريبة حيث وبتقديمها منابر لهؤلاء الأشخاص تلعب في الحقيقة على ملعب النظام الإيراني.

لماذا أقول “ملعب النظام الإيراني”؟ لأنه لا يمكن القناعة إطلاقا أن يسمح نظام الحكم القائم في إيران بأن تتبلور أرضية في داخل إيران لإنشاء بديل له وقيادة للمعارضين. فإن هذا النظام المراوغ لم يقم بذلك قط طيلة السنوات الأربعين الماضية، بل لجأ دوما بالتهديد والتوعد والترهيب للمعارضين داخل البلاد حيث قام إما بسجنهم وقمعهم وإما بإرغامهم على مسايرته.

وفي هذا الإطار ينبغي القول إنه كلما تستمر حياة نظام الحكم هذه في إيران، فيبقى المواطنون داخل البلد هم الضحايا الذين يعانون من آلاف المشاكل ويريدون أن يرفعوا أصواتهم بالاحتجاج بحناجر دامية، ولكنهم يصابون بالدواخ في هذه الزوبعة الضبابية للمعارضة وتعدد الأحزاب والبدائل حيث لا يقدرون على تمييز الطريق عن المتاهة. وفي هذه الأثناء يأتي اختلاق بدائل مزورة في داخل البلد وإضعاف المعارضين في خارجه ليكون سلاحا جديدا بيد نظام الحكم القائم في إيران.

ومن المعروف لدينا جميعا أنه وخلال السنوات الأخيرة قد تحولت معظم مطالب المواطنين الإيرانيين داخل البلاد من “القائمة على محور المطالبة” إلى “القائمة على محور الانتقال”، ولكن حركاتهم الاحتجاجية لم تنجح لسبب عدم وجود بديل أو انعدام إمكانية التعرف على البديل الموثوق به، فلم تكن نتيجة هذه الحركات إلا ارتفاع عدد السجناء السياسيين والمنفيين والمعدومين وكون عدد أكبر من الشباب يروحون ضحايا درب الحرية.

وبالضبط من هذا المنطلق توصلت إلى القناعة بأنه ومع أن المناضلين والمعارضين لنظام الحكم الذين يعيشون داخل البلاد لهم إلمام وتعرف أكثر على قضايا البلد لكونهم في قلب المشاكل والنضال وأنا أكن احتراما كبيرا لهؤلاء المواطنين، إلا أنه يجب تبلور النواة الرئيسية لمعارضي النظام (أو “القيادة”) في خارج البلاد لكي لا يمكن لنظام الحكم تحريفها أو قمعها.

أما مسك الختام فهو أن من واجب كلنا على حدة داخل البلد وخارجه أن نحترس ونعمل بكل حذر وذكاء ونعتمد على الحقائق التي تقدم ذكرها لنمسك بزمام المبادرة لكي لا نجرّب المجرّب أي ما مضى علينا من الفشل قبل أكثر من أربعين عاما، ولا تحل بنا الندامة مرة أخرى.

Share on facebook
Share on google
Share on twitter
Share on linkedin
Share on telegram