هذه المغامرات في خارج الحدود وهذه الأحلام اليقظة بإقامة إمبراطورية ذات شعوب شيعية متعددة، ليست مشروعا تقتصر تكاليفه على هذه النسبة من الضحايا وملايين المشردين في بلدان المنطقة، وإنما كلفته الرئيسية ربما أنتجتها بذور الكراهية والحقد التي زرعها النظام الإيراني البغيض في قلوب شعوب المنطقة بتوزيعه الدولارات في حقائب عديدة على وكلائه في المنطقة أيضا.
بقلم: آرمان أميري
كانت الحكومة الإيرانية أثناء حركة تعميم صناعة النفط قد وقعت بين كماشة المنافسات الاستعمارية السوفيتية البريطانية. ولم تكن القضية هي الإيرادات النفطية فقط. وإنما كانت بريطانيا وبضخ أموال دنسة في انتخاب النواب وكان الاتحاد السوفيتي بأدوات مثل تحريض الحركات القومية يهددان استقلال إيران بالفعل الملموس. ولم يكن بإمكان الديمقراطية الضعيفة والحكومة الوطنية حديثة التأسيس في إيران أن تقاوم وتصمد أمام القوتين العظميين العالميتين.
ففي هكذا ظروف، لم يكن موقف الدكتور محمد مصدّق من أميركا تبعية والتورط والانجرار في فخ قوة جديدة خوفا من القوتين السابقتين. وإنما كان التبادل المقترح أن تؤيد أميركا استقلال الحكومة الوطنية الإيرانية مقابل الصداقة والتآلف الأبديين من الشعب الإيراني.
ولكن الأمريكان اتخذوا خيارا آخر؛ حيث حرصوا على جعل إيران دولة تابعة وفناء خلفيا لهم، بدلا عن اتخاذها صديقة قوية ولكن مستقلة. حتى نفذ انقلاب 19 آب (أغسطس) عام 1953 ليطيح بالحكومة الوطنية المستقلة الإيرانية وبذلك جعلوا الدولة الإيرانية تابعة لأميركا لمدة ربع قرن، ولكن في الوقت نفسه زرعوا بذور الحقد والكراهية في قلوب الإيرانيين التي لم تقض عليها حتى الثورة الإيرانية عام 1979. فإن معاداة النظام الحالي لأميركا لمدة أربعة عقود من الزمن والخسائر الفادحة التي لحقت بالقوات الأميركية في المنطقة، تعتبر قليلا من النتائج الكثيرة المترتبة على ذلك الانقلاب الأمريكي.
وفي السنوات العديدة اللاحقة، عندما تم إسقاط حكومة صدام، صار العراق على واقع مماثل لذلك الواقع الإيراني، حيث أن إقامة حكومة مستقلة على أنقاض ما تبقى من العراق بعد الحرب، كانت من الصعب للغاية بالنسبة للقوى الديمقراطية العراقية. فكانت الأحقاد القديمة والصراعات القومية والدينية وطبعا التدخلات الخارجية يؤجل ويعرقل الجهود لإعادة بناء البلد. ففي هكذا ظروف كانت الحكومة العراقية عرضة للمساس بها نتيجة تدخلات جيرانها في شؤونها الداخلية بقدر ما كانت في الوقت نفسه بحاجة إلى المساعدة منهم في استعادة الظروف العادية. وكبرى هذه الجيران كانت ولا تزال الحكومة الإيرانية ولا شك في ذلك.
فكان باستطاعة الإيرانيين وبواسطة الحدود الطويلة بين العراق وإيران إضافة إلى النفوذ الإيراني في أوساط الفصائل الشيعية العراقية وكذلك علاقات مع إقليم كردستان أن يؤثروا أكبر تأثير في المرحلة الانتقالية العراقية وكان الخيار أمام إيران: إما المساعدة في عودة الاستقرار والهدوء والأمن إلى العراق كدولة مجاورة مستقلة وقوية وصديقة وإما الوثبة لاحتلال أرض منكوبة بالفوضى وانعدام الحكومة ولإنشاء فناء خلفي مخصص لها.
ولكن مع الأسف تظهر مؤشرات عديدة أنه وعلى أقل تقدير كان قرار العسكريين المهيمنين على العلاقات الإقليمية هو الخيار الثاني إن لم نقل أنه كان خيار الحكومات الإيرانية المنتخبة. فإنهم حاولوا في البداية تحويل العراق إلى “مستنقع” للحروب النيابية مع الأمريكان مما كان يعني الدعم المباشر وغير المباشر للعديد من الفصائل المسلحة القتالية في العراق؛ وبعد ذلك حاولوا أن يتخذوا من شيعة العراق قوات أخرى نيابية وتابعة لهم بما يماثل حزب الله اللبناني الصنيع لهم. وبدورها كانت المسيرة المليونية في الأربعينية الحسينية لم تكن رسالة تآلف وتلاؤم بين الشعبين بقدر ما كانت تشبه باستعراض قوة في الفناء الخلفي الخصوصي لغرض تمرير حزام “محور المقاومة” و”الهلال الشيعي” من العراق ليصل إلى الحدود الإسرائيلية. إلا أن الشعب العراقي كان ولا يزال يتحلى بالغيرة الوطنية وسريان دم الشرف والسيادة في عروقهم برغم كونه مصابا بتمزقات واضطرابات ومشاعر يأس وخيبة.
فمنذ سنوات ظهرت بوادر من رد الفعل العراقي حيال التدخلات الإيرانية؛ وذلك برز تماما بدءا من هتافات «بغداد حرة حرة، إیران برة برة» خلال مظاهرات واحتجاجات العراقيين وانتهاء إلى ما عم من ثورة الغضب والانفعال حتى أثناء الجدالات بين الفريق الوطني الإيراني والفريق الوطني العراقي لكرة القدم. كما وإضافة إلى تجميد الأرصدة الإيرانية في العراق، فإن امتناع الحكومة العراقية عن الإدلاء بصوتها المعارض لقرار فرض العقوبات على إيران هو الآخر أظهر أن التصدعات بين البلدين وصلت إلى مرحلتها المتأزمة.
إننا نحن الإيرانيين كنا ولا زلنا نشكو في تاريخ بلدنا من التدخلات الاستعمارية للدول الأخرى في وطننا الإيراني؛ إلا أن التجارب في ما يتعلق بكل من العراق ولبنان وحتى أفغانستان واليمن أثبتت أن العسكريين المتسلطين على بلدنا وإضافة إلى إضعافهم للحكومات الإيرانية المنتخبة، يعملون جاهدين على إضعاف الدول الأخرى في المنطقة أيضا. فهذه المغامرات في خارج الحدود الإيرانية وهذه الأحلام اليقظة بإقامة إمبراطورية ذات شعوب شيعية متعددة، ليست مشروعا تقتصر تكاليفه على هذه النسبة من الضحايا وملايين المشردين في بلدان المنطقة، وإنما كلفته الرئيسية ربما أنتجتها بذور الكراهية والحقد التي زرعها النظام الإيراني البغيض في قلوب شعوب المنطقة بتوزيعه الدولارات في حقائب عديدة على وكلائه في المنطقة أيضا.
ففي الآونة الأخيرة هناك كثيرون يعملون وباللجوء إلى المشاعر القومية والوطنية على تبرير كل جريمة يرتكبها العسكريون المهيمنون على إيران في خارج الحدود الإيرانية؛ ولكننا لسنا الشعب الوحيد الذي يحب بلده واستقلاله. فإن التاريخ أثبت أن أية جريمة لا تبقى دون عقوبة؛ فيا لبؤس وخزي للشعب الذي يتكبد الإخفاق والفشل من جهة والافتضاح التأريخي من جهة أخرى على حد سواء وفي آن واحد.