بقلم حميد أقايي عضو مجلس المدراء في مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني
إن تعيين إبراهيم رئيسي يأتي في الحقيقة بمثابة افتتاح المرحلة الأخيرة من نظام الجمهورية الإسلامية ليصبح نظامًا استبداديًا على غرار النموذج الصيني الروسي، ينوي مثل النظامين السياسيين في نموذجه، أن يواصل سياسته العدوانية الاقتحامية على الصعيدين الإقليمي والعالمي وأن يُكمل مسيرته باتجاه المعسكر الشرقي.
انتهت المسرحية الانتخابية لعام 2021 لإشغال منصب رئاسة الجمهورية الإسلامية، وكما كان متوقعًا فاز إبراهيم رئيسي بفارق كبير عن المرشحين الآخرين لهذا المنصب، علمًا بأن إرادة قيادة الجمهورية الإسلامية لتعيين إبراهيم رئيسي رئيساً كانت واضحة ومتوقعة لغالبية الشعب الإيراني والعديد من المراقبين المحليين والأجانب.
في تحليل إرادة النظام هذه والبحث عن جذورها، يشار بشكل أساسي إلى السياسات الكلية لنظام الحكم في المجالات المحلية، بما في ذلك محاولة تقليص نواة السلطة وتوحيد النظام، بسبب الأزمات الداخلية العديدة، وكذلك القضية المهمة المتمثلة في خلافة خامنئي في المستقبل غير البعيد.
على الرغم من أن هذا التحليل يركز على جزء مهم من الواقع، إلا أنه لا يكشف كل الحقائق وكل أسباب إرادة السلطة لتوحيد نفسها أي جعلها أحادي الجناح. إن ما لا يظهر في هذا التحليل إلا قليلًا هو السياسة الكلية للجمهورية الإسلامية في مجال الشؤون الدولية.
إني وبصفتي كاتب المقال أرى أنه ينبغي البحث عن أحد أهم أسباب هندسة الانتخابات في معظم الفترات الرئاسية، في السياسة الخارجية الكلية لقيادة النظام.
فبعد انتهاء رئاسة هاشمي رفسنجاني، كان النظام الإيراني بأمسّ حاجة إلى تصحيح سمعتها الدولية. إن الاغتيالات التي نفذتها قوات أمن النظام الإيراني خلال رئاسة رفسنجاني للقضاء على المعارضة داخل البلاد وخارجها خلقت سمعة سلبية للغاية لهذا النظام في العالم. وبعد عملية الاغتيال في مطعم ميكونوس في العاصمة الألمانية برلين، أُدرجت أسماء قادة النظام الرئيسيين، بمن فيهم رفسنجاني وخامنئي، في قائمة المتهمين الرئيسيين بهذا الاغتيال. إن السماح لمحمد خاتمي بالترشح للرئاسة، بالنظر إلى أن خامنئي والحرس الثوري الإيراني والجهاز الأمني للنظام لديهم معرفة كافية بروحه المتسامحة والمحبة للسلام، لا ينبغي تفسيره إلا أنه جاء في محاولة لعرض صورة أكثر إيجابية عن النظام الإيراني على المستوى الدولي.
ففي ظل هذا الوجه اللطيف للجمهورية الإسلامية كثف النظام الإيراني أنشطته في ما يتعلق بمشروع تخصيب اليورانيوم لتحقيق القدرة على صنع قنبلة ذرية. لكن الكشف عن المشروع زاد الضغط السياسي على الحكومة ومهّد الطريق أمام مفتّشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية لزيارة إيران. ومع تصاعد التوتر بين النظام الإيراني والغرب، لم يكن أمام الجمهورية الإسلامية سوى خيارين أي إما الرضوخ لسيطرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل على أنشطتها النووية أو مقاومة الضغط الدولي مع مواصلتها سراً لمشروع صنع القنبلة الذرية.
لكن في هذه العملية، بالنظر إلى أن إرادة قيادة النظام والحرس الثوري كانت مواصلة مشروع صنع القنبلة الذرية، وهذه السياسة كانت من ناحية تتطلب التقارب مع روسيا والصين ومن ناحية أخرى كانت تُملي اعتماد سياسة عدوانية اقتحامية على المستوى الاقليمي، وصل أحمدي نجاد الى سدة الرئاسة بفعل هندسة ذكية للانتخابات. فخلال هذه الفترة، تم اتباع سياسة التطلع إلى الشرق ومتابعة وتنفيذ نموذج الأنظمة الاستبدادية مثل كوريا الشمالية والصين وروسيا بجدية من قبل قيادة النظام؛ بحيث وافقت حتى على إيصال أحمدي نجاد إلى الرئاسة للولاية الثانية بفعل انقلاب على هيئة الانتخابات.
يمكن تفسير عهد حسن روحاني على أنه استمرار لنفس السياسة الكلية للجمهورية الإسلامية على الساحة الدولية، بفارق أن مهمة التفاوض مع القادة الغربيين، لا سيما في مجال البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية يجب أن توكل إلى أشخاص أكثر تمرّسًا في المجالات الدبلوماسية؛ شريطة أن يستمر تحديد وإدارة سياسة النظام العدوانية الاقتحامية على المستويين العالمي والإقليمي من قبل قيادة النظام، وأن تستمر كما في الماضي استراتيجية التوجه الكامل نحو الشرق واستكمال مشروع إضفاء الطابع الصيني – الروسي على نظام الجمهورية الإسلامية.
إن قيادة الجمهورية الإسلامية في عهد رئاسة روحاني ومن أجل مواصلة سياستها الكبرى في المجالين الدولي والجيوسياسي، توافق على التصفية الجسدية لخصمها الكبير، هاشمي رفسنجاني وإزاحة العديد من العناصر المتزعزعة داخل دائرة السلطة. وخلال هذه الفترة وُضعت عمليات التطهير الكبرى على مستوى قيادة الحرس الثوري الإيراني والجيش على جدول الأعمال، كما وفي المجالين الاقتصادي والسياسي، سُجنت العصابات والعناصر المنافسة الغريمة.
بعبارة أخرى، منذ الولاية الثانية لرئاسة حسن روحاني، بدأت قيادة النظام مشروع توحيد الحكومة من أجل تنفيذ النظام السياسي والاقتصادي الصيني الروسي دون عوائق. إن هندسة انتخابات 2021 والخطة الواضحة للغاية لقيادة النظام لتعيين إبراهيم رئيسي على منصب رئاسة الحكومة يجب تفسيرهما وتحليلهما في هذا الإطار وليس إلا.
إن تعيين إبراهيم رئيسي يأتي في الحقيقة بمثابة افتتاح المرحلة الأخيرة من نظام الجمهورية الإسلامية ليصبح نظامًا استبداديًا على غرار النموذج الصيني الروسي، ينوي مثل النظامين السياسيين في نموذجه، أن يواصل سياسته العدوانية الاقتحامية على الصعيدين الإقليمي والعالمي وأن يُكمل مسيرته باتجاه المعسكر الشرقي.
بالطبع، في هذا الاتجاه نحو الشرق، هناك نمطان متعارضان تمامًا أمام النظام الإيراني وهما النمط الروسي والنمط الصيني. ويبدو أن النظام لم يتوصل بعد إلى إجماع كامل على اختيار أحد هذين النموذجين. إن انتخاب النموذج الصيني له عواقب جادّة على النظام وجهازه العسكري والأمني بما فيها إقامة علاقة طبيعية مع دول العالم، ونبذ معاداة الولايات المتحدة وإسرائيل وكذلك السماح للشركات العالمية الكبرى بالاستثمار في إيران الأمر الذي يعتبر مستحيلًا مع استمرار السياسة النووية للنظام وفرض العقوبات.
ومع ذلك، لا يبدو أن النموذج الروسي يحظى بدعم كبير بين عناصر السلطة والتكنوقراطيين التابعين لها، كما إن النموذج الروسي يؤدي إلى المزيد من تفاقم الأزمات الاقتصادية وتفشي مزيد من الفقر والحرمان في أوساط المواطنين الإيرانيين، وفي النهاية يحول إيران إلى كوريا الشمالية. أما العائق الأكبر أمام هذه الاستراتيجية فهو الشعب الإيراني الذي يطالب بأسلوب حياة ونموذج مختلفين، ويبحث عن إمكانية للقيام بانتفاضة شاملة أخرى ضد نظام الحكم القائم في إيران.