مؤامرات النظام لتقسيم أبناء الشعب الإيراني وعزل احتجاجات أهل خوزستان

بقلم: حميد أقايي عضو مجلس المدراء في مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني

استمرت الليلة الرابعة من الاحتجاجات في خوزستان مع وجود القوات الحكومية القمعية في سوسنجرد، وبحسب وسائل إعلام محلية، قُتل سيد حسين آل ناصر على يد قوات الأمن. وبحسب نفس التقارير، استمرت الاحتجاجات في مدن سوسنجرد وماهشهر وحميدية حتى الصباح رغم القمع العنيف.

وتدخل احتجاجات أهالي خوزستان العطشى يومها الخامس في الوقت الذي التزمت فيه الصحف الحكومية، سواء التابعة للإصلاحيين أو الأصوليين، بالصمت ومعها مسؤولو النظام، أو بالمؤامرات المعروفة التي تنسب موجة الاحتجاجات هذه إلى العدو الخارجي والانفصاليين. وعزا ممثل خامنئي من خوزستان في مجلس الخبراء محسن حيدري مقتل أربعة شبان من خوزستان إلى عناصر معادية للثورة، قائلا: “إن هؤلاء العملاء وباستغلال مطالب المواطنين يطلقون النار عليهم ويقتلون الأبرياء”.

كما وصف محافظ خوزستان مقاطع الفيديو المنشورة عن الأيام الأولى لاحتجاجات مواطني خوزستان بأنها مزيفة. وبدورها تنفي وكالة فارس للأنباء والتابعة لقوات حرس النظام، وبشكل أساسي وقوع هذه الاحتجاجات وتنشر صورًا للاحتجاجات الشعبية في كل من مدينتي شاديجان وسوسنجرد يُرى فيها عَلَم الأحوازية. وإثر نشر هذه الصور من قبل وكالة أنباء فارس، أعادت صحيفة “ألف” الأصولية نشر هذا الخبر.

أما صحيفة “أفتاب نيوز” الإصلاحية فهي نقلت عن “مصادر إخبارية” قولها إن “عدد الضحايا يبلغ ثلاثة أشخاص” خلال الاحتجاجات. هذا ونفت صحيفة “همشهري” الإلكترونية في عددها الصادر يوم الاثنين 19 يوليو خبر مقتل ثلاثة أشخاص خلال احتجاجات المواطنين على شحة الماء وذلك نقلًا عن وكيل محافظ خوزستان في الشؤون الأمنية.

كما وبعض العناصر الإصلاحية الرائدة وفي رد فعل منها على احتجاجات أهالي خوزستان ضد شحة الماء تكتفي فقط بالتعبير عن التعاطف أو توجيه النصيحة للمسؤولين الحكوميين. فكتب سعيد حجاريان في تغريدته: “خلال حرب الثماني سنوات، وقف أهالي خوزستان وقفة على الأرض أمام الرصاص القادم من أمامهم، لكنهم الآن يفكرون بالرصاص القادم في خلف رأسهم بوقفتهم على الماء.. فلا تعبثوا بمصير خوزستان!” وبذلك يلوّح للفت انتباه المسؤولين إلى خطر تفكك إيران.

وكتبت برفانه سلحشوري في تغريدتها: ” ليست خوزستان التي تعاني من شح الماء هي القضية الوحيدة.. فأي مكان في إيران عامر لتبقى خوزستان فقط غير عامرة؟ ماذا فعلتم بكل هذه النعم والثروات حتى أصبحنا اليوم وبعد سنوات من الإدارة، نشاهد الموت التدريجي للمواطنين والطبيعة وتخلف أرضنا؟”. وتمضي قُدُمًا في وصف الأوضاع ضمن تغريدتها كما لو أنها تجهل الأسباب الجذرية للاحتجاجات ونسيت أن مشاريع نقل المياه من خوزستان إلى وسط إيران كانت من تصميم هاشمي رفسنجاني والحكومات الإصلاحية. وتابعت السيدة سلحشوري يقول: “الله أعلم أي شيء ندفع ثمنه!!” وهذا ليس إلا خطابًا ماكرًا للغاية في محاولة للتملص عن تحمل المسؤولية.

مؤامرة كبيرة جارية هناك

تُظهر المجموعة المذكورة أعلاه من الأخبار والتقارير حول أسلوب تعامل وكالات الأنباء الحكومية مع الاحتجاجات الشعبية في خوزستان ونوع رد الفعل الذي يبديه بعض العناصر الإصلاحية على هذه الاحتجاجات، مؤامرة أمنية كبيرة من قبل نظام الحكم القائم في إيران لتقسيم أبناء الشعب الإيراني القاطنين في مختلف محافظات البلد وكذلك تغيير النسيج السكاني من خلال التمييز في برامج التنمية الإقليمية بين المقاطعات الهامشية والمحافظات المركزية في إيران.

إن مشكلة مواطنينا في محافظة خوزستان ليست مشكلة اليوم أو السنوات الأخيرة وليست ناجمة عن الجفاف وشح الماء. فقد عمد نظام الحكم القائم في إيران، ووفقًا للسياسات الاستراتيجية لمجلس الأمن القومي، إلى عىم إعطاء الأولوية في أي وقت لإعمار وتنمية خوزستان. كما وإن تخصيص ميزانيات عالية في الظاهر من قبل حكومات الجمهورية الإسلامية لتنمية خوزستان ظل دائمًا على الورق وقد تم تبديدها وتبذيرها في العاصمة نفسها ومن قبل عصابات المافيا الحاكمة وذلك قبل وصول الميزانية إلى خوزستان.

لطالما كانت المقاطعات الهامشية في إيران مشكلة أمنية للجمهورية الإسلامية. كما إن الصراعات في المنطقة والتي یعتبر نظام الجمهورية الإسلامية أحد عواملها الرئيسية، هي الأخرى أصبحت ذريعة لتظل التنمية البشرية والاقتصادية لهذه المناطق على الدوام تحت الأمن وخطر التفكك الوهمي. کما ومن خلال اختيار هذه السياسة والتمييز المتعمد، تحاول النظام جعل المقاطعات المهمشة أكثر اعتمادًا على المقاطعات المتقدمة الأخرى وإجبار جزء من سكان هذه المقاطعات على الهجرة إلى مقاطعات أخرى.

من ناحية أخرى، إن حكم الجمهورية الإسلامية و من خلال تواجد وكلائها في الشبكات الاجتماعية، بما في ذلك  كلوب هاوس، وبالتزامن مع الاحتجاجات الشعبية في خوزستان، يؤجج النقاشات المثيرة للجدل حول الفيدرالية والانفصالية. وفي غضون ذلك، نزل أهالي خوزستان العطشى إلى الشوارع للمطالبة بالمياه ولسبب تعرض الحياة للدمار ونفول مواشيهم، مرددين هتافات مخاطبة لنظام الحكم والمواطنين القاطنين في محافطات البلد الأخرى ومطالبة مد يد العون إليهم. وفي هذه الهتافات، لم يتم طلب المساعدة من الدول والشعوب الأخرى إطلاقًا.

وبفعل هذه الرؤية الأمنية، أعلن “ربيعي”، المتحدث باسم حكومة روحاني إغلاق دوائر محافظتي طهران والبرز اعتبارًا من الثلاثاء هذا الأسبوع إلى الأحد الأسبوع المقبل. وقال إن قرار الإغلاق “جاء بناء على اقتراح من مقر العمليات واللجنة الأمنية والاجتماعية والنظامية بالمركز الوطني لمكافحة كورونا”. علمًا بأن اقتراح القاعدة العملياتية واللجنة الأمنية لمقرمكافحة كورونا الوطني ليس بسبب كورونا بل يأتي بسبب الخوف من امتداد نطاق الاحتجاجات إلى العاصمة طهران. فيما تُظهر التجارب السابقة للإعلان عن إغلاق الدوائر أن عمليات الإغلاق هذه ليس لم تمنع من استمرار انتشار فيروس كورونا فحسب، بل تسببت في اشتداده بسبب مغادرة أهالي طهران وكثافة تدفق المواطنين للسفر إلى المناطق الأخرى للبلد.

إعلان الدعم من منظمات للمجتمع المدني داخل البلد

لحسن الحظ، واستجابة لهذه الطلبات، أصدرت منظمات للمجتمع المدني في البلد ونشطاء في مجال الفن والسينما بيانًا عبروا فيه عن دعمهم لأهالي خوزستان وأدانوا قمع الاحتجاجات.

هذا وكتب أكثر من مائة وثلاثين مخرجًا وثائقيًا في بيان لهم: نحن مخرجو السينما الوثائقية، كنا ومازلنا نعكس دائمًا معاناة ومطالب شعبنا بناءً على تقاليدنا المهنية، واليوم أيضًا نقف إلى جانب أهالي خوزستان العطشى وندين بشدة قمع المواطنين الذين يسعون إلى الحياة ليصل الماء إلى محافظتهم.

كما وفي رسالة إلى المفوض السامي للأمم المتحدة في حقوق الإنسان، دعته رابطة المدافعين عن حقوق الإنسان في إيران إلى “استخدام جميع الوسائل والإمكانيات القانونية وسلطاته ومنع النظام الإيراني من استمرار القمع”.

لكن ما تفتقر إليه تصريحات التعاطف والتضامن هذه مع أهالي خوزستان أو طلب المساعدة من منظمات حقوق الإنسان، وما لم نشهده هذه الأيام، هو تشجيع الناس على مساعدة أهالي خوزستان والانضمام إلى صفوف احتجاجاتهم.                                          

أما المؤلم جدا هنا فهو الصمت العام المنظّم لأهالي المحافظات الأخرى ضد عطش وقمع أبناء محافظة خوزستان المحتجين. هل تختلف هذه الكارثة الوطنية في خوزستان عن الفيضانات والزلازل الكارثية في أجزاء أخرى من بلادنا؟ ففي ذلك الوقت تحرّك العديد من المنظمات غير الحكومية والمشاهير في مختلف المجالات شخصيًا لمساعدة ضحايا الفيضانات والزلزال.

إن احتجاجات المواطنين العطشى المضطهدين في خوزستان هي مجرد حلقة في سلسلة احتجاجات أبناء الشعب الإيراني التي اندلعت في بلوشستان، ومرة ​​أخرى في صفوف العمال والمتقاعدين، والآن في خوزستان؛ كما وبسبب عدم كفاءة هذا النظام الفاسد الإجرامي، فإنها ستصل بالتأكيد إلى أقاليم هامشية أخرى. فبدلاً من الانتظار، من الأفضل الانضمام إلى صفوف أهالي خوزستان اليوم ودعمهم وحماية أرض الأجداد هذه من شرور هذه االسلطة الفاسدة الإجرامية وإعادة بناء هذا البيت الذي هو ملك مشاع لجميع الإيرانيين.