كيف يمكن للمرء أن يغض الطرف عن الكوارث التي تحدث في جميع أنحاء البلاد في أية لحظة؟ فمنذ أسابيع قام آلاف العمال الكادحون في صناعة النفط ومعمل قصب السكر فی “هفت تبه” و… بالإضراب عن العمل ولكن لم يستجب أحد لمطالبهم العادلة. كما ومنذ عدة أيام، أصبح أهالي محافظة خوزستان، الذين بلغت قلوبهم الحناجر بسبب الجفاف وشح الماء، ينظمون مظاهرات في الشوارع مطالبين بتلبية الحاجة الأساسية لحياتهم وهي الماء، لكنهم وبدلاً من الماء يتلقّون الرصاص والغاز المسيل للدموع. لأشهر عديدة، كان الناس الذين رأوا ظل كرونا والموت فوق رؤوسهم ينتظرون التطعيم، وهم في هذه الأيام يقفون في طوابير طويلة للحصول على ما كان ينبغي أن يتلقوه قبل شهور. فمنذ سنوات، كانت مجموعات لا حصر لها من المواطنين تستيقظ كل يوم ليجدوا أنهم أصبحوا أفقر مما كانوا عليه بالأمس بسبب الارتفاع الصاروخي في الأسعار واضطروا إلى حذف اللحوم والدواجن والفاكهة ومنتجات الألبان من مائدتهم تدريجيًا.
ومع ذلك، إذا نظر المواطنون إلى وسائل الإعلام الرسمية للبلاد، فسوف يرون أنه ليس فقط لا يوجد فيها خبر عن هذه الأزمة وصيحات المواطنين الاحتجاجية، بل إنها تتظاهر كما لو كان “لا يوجد أخبار في المدينة “وكل شيء هادئ!!. وغني عن البيان أن بعض الصحفيين الذين هم أنفسهم يشاطرون معاناة الناس ربما غضوا الطرف طواعية عن كل هذا الاضطرابات والمشاكل. إنهم منفذو سياسة “الرقابة”. السياسة التي سدت على مدى سنوات طريق تنفس الثقافة والمعرفة والاقتصاد والبيئة وبكلمة واحدة طريقة تنفس الحياة المتحضرة؛ وهي السياسة التي ومن خلال التستر على القبح والخبث وإنكار الفساد والريعية، وفي ظل الاستبداد المطلق، تمنحهم فرصة أن ينمو نموًا سرطانيًا؛ سياسة تفرض الرقابة على الواقع، بافتراض خاطئ أن الحقيقة لن تنكشف أبدا. ولكن ردود فعل المواطنين الصريحة والواسعة خلال السنوات الأخيرة تدل على أن هذه “السياسة” قد فشلت.
إن أهالي محافظة خوزستان يعرفون أن الجفاف وشح المياه في منطقتهم، وهي المنطقة التي كانت حتى سنوات غير بعيدة تنتج وتوفّر جزءًا كبيرًا من المحاصيل الزراعية للبلاد، يأتيان نتيجة السياسات القائمة على السلب والنهب وقمع المواطنين والتي نفذت على مدى العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية؛ وهم المواطنون المحرومون من الهواء الصحي في جزء من العام بسبب ظاهرة الغبار، ولا تتوفر لديهم كهرباء في بعض الأحيان وهم رازحون تحت حرارة بخمسين درجة مئوية، والذين بدأت بساتينهم وحقولهم ومواشيهم بالزوال والنفول، والذين لا يستطيعون الآن أن يصلوا إلى ماء الشرب، فهم على حق أن يتدفقوا إلى الشوارع ويحتجون على هذه الأوضاع الكارثية. هؤلاء المواطنون محرومون تمامًا من تشكيل منظمات وأحزاب ووسائل إعلام مستقلة ومجتمعات مدنية لهم للتعبير عن مطالبهم. هؤلاء المواطنون هم إعلام أنفسهم، ولا يحق لأحد أن يردّ عليهم بالرصاص والغاز المسيل للدموع ، أو ولتمهيد وتسهيل قمعهم، أن يصف احتجاجاتهم العادلة والسلمية بأنها “لعب في أرض العدو”.
وتنطبق الحالة نفسها على إضرابات العمال المحتجين في قطاع النفط أيضًا. إنهم ضحايا سياسة جائرة تقوم بتزوير العقود التعاقدية، بالإضافة إلى التدمير التام لأمنهم الوظيفي بصب جزء من أجورهم في جيوب المقاولين اللصوص والمتدللين لنظام الحكم الذين لا دور لهم في العمل والإنتاج. العمال على حق في طلبهم بفصل المقاولين عن العمل والعقود التعاقدية. كما إنهم على حق في اعتبار أنفسهم عاملين في صناعة النفط وطلبهم بأجور متساوية مع العاملين الآخرين في الصناعة. إن وجود نقابة مستقلة لهم وحقهم في الإضراب، وفقًا للمعاهدات الدولية، هو الأمنية المشتركة لهم جميعًا. كما إن سياسة القمع وفرض الرقابة عليهم لكبت أصواتهم واللجوء إلى سياسة الفصل ودق الأسفين في صفوف العمّال لتفريقهم وإضعاف حركتهم واختلاق ممثلين زائفين عنهم بهدف إفشال نضالاتهم ودحر حركتهم، لن تتكلل بالنجاح. يجب الرضوخ لأجابة الطلبات العادلة لهؤلاء العمال وعمال قصب السكر في “هفت تبه” الذين أخرجوا هذه الصناعة من أيدي عصابة تسعى إلى الريع من هذه الصناعة، وذلك بفضل نضالهم المستمر وكذلك مطالب العمال الآخرين والمعلّمين والمدرّسين والممرّضين و…إلخ.
إن رابطة الكتّاب الإيرانيين تستنكر قمع احتجاجات وإضرابات المواطنين، ووفقًا لميثاقها، تدافع عن حق الحرية للجميع دون استثناء، للتعبير عن مطالبهم، وتدعو جميع الكتّاب والصحفيين المستقلين والناشطين الاجتماعيين المواطنين التحرريين ألا يركنوا ولا يرضخوا للرقابة ولا يستسلموا أمامها، بل يكشفوا عن معاناة وألام المواطنين ومطالبهم المشروعة العادلة.
رابطة الكتّاب الإيرانيين
21 تموز (يوليو) 2021