التقرير الذي تقرأه أعده عدد من الصحفيين المستقلين داخل إيران بالتعاون مع صحفيين محليين. وقد حاولنا في هذا التقرير تأدية جزء من ديننا لحركة العطشى من خلال رسم الأجواء الأمنية في مدن خوزستان قيامًا بالواجب الرئيسي للصحفيين وهو انحسر هذه الأيام في وسائل الإعلام المحلية لسبب كون القمع الممنهج لحرية الصحافة سيّد الموقف في البلاد.
من إعداد: الصحفيين الإيرانيين المستقلين
كل من مدن آبادان وخرمشهر وسوسنجرد وشاديغان وأهواز وهويزه ودزفول وماهشهر وحميدية و … مليئة بحشود المواطنين الذين وعلى الرغم من ربط خبزهم ومائهم بنهر “كارون” وحور، إلا أن دماءهم سقيت جسد خوزستان المحتضر. ففي يوم الخميس 15 تموز (يوليو) 2021 تم بعث الحياة من جديد في الأرض التي كانت تلفظ آخر أنفاسها، وذلك برفع جمهور المتظاهرين هتاف “بالروح، بالدم، نفديك يا أحواز” وهذه المرة بصوت الاحتجاج والغضب الذي كان قد عاد إلى الغليان!
لا تزال خوزستان حتى اليوم تعيش حالة اضطراب واحتجاج قتل خلالها عدد كبير من المتظاهرين الذين معظمهم من العرب بنيران مباشرة أطلقتها القوات الأمنية والعسكرية. وخلال هذه الأيام، تحاول القوى القمعية ومن خلال جعل أجواء المدن أمنية أن تمنع من اتساع نطاق الاحتجاجات. هذا التقرير رواية تشرح وتسرد مجريات القمع والمقاومة هناك.
حواجز السيطرة والتفتيش والاعتقالات في خرمشهر
تخضع مدينة خرمشهر لأشد الإجراءات الأمنية بعد 15 يومًا من بدء الاحتجاجات على شح المياه. بدأت الاعتقالات من منزل إلى منزل يوم الأحد 18 يوليو، واليوم الرابع من احتجاجات خرمشهر، واستمرت حتى يومنا هذا. في بعض مناطق خرمشهر، مثل مدن أخرى في محافظة خوزستان، بما في ذلك زقاق طالقاني صار انقطاع التيار الكهربائي والإنترنت ليضيّق مجال التغطية الإخبارية وإيصال الأخبار إلى المواطنين. وفي بعض المناطق، اشتد انقطاع شبكة الإنترنت وأحيانًا تعطلت تمامًا لبضعة أيام وأصبح من الممكن استخدام الإنترنت الضعيف لساعات قليلة فقط.
ومنذ الأيام الأولى، قامت قوات الأمن بتركيب كاميرات على أعمدة إنارة للتعرف على المتظاهرين. يقول أحد سكان هذه المنطقة الذي شهد هذا المشهد: أصبحت أجواء المدينة أمنية للغاية بتواجد وانتشار للقوات الأمنية الخاصة. إنهم كانوا يتسلّقون أعمدة الإنارة ويقومون بتثبيت الكاميرا أمام أعين المواطنين ليعمدوا إلى تخويفهم بعرض هذا المشهد. ومنذ اليومين الثالث والرابع من الاحتجاجات كانت القوات الخاصة متواجدة في شوارع وساحات مدينة خرمشهر خاصة في ساحتي الله والقائممقامية (السابقة). وكانوا قد أقاموا نقطة تفتيش في ساحة “نقدي” بمدينة خرمشهر وهم يسحبون المواطنين من سياراتهم ويعتقلونهم دون سبب. وكانت الاعتقالات مستمرة هكذا في كوت الشيخ بمدينة خرمشهر أيضًا. ورأينا بأمّ أعيننا أن العديد من الشباب العرب في خرمشهر اعتقلوا في منازلهم وفي الشوارع، ليس في وسط الاحتجاجات، ولكن دون أي سبب على الإطلاق.
مدينة “آبادان” من الاعتقالات الوقائية إلى تهديد الصحفيين
تم تقليص الاحتجاجات في البيئة الأمنية في آبادان بشدة في ظل القمع، ووقعت معظم الاحتجاجات في الضواحي وعلى تجمّعات متفرّقة، والتي تعود جذورها إلى حد كبير إلى الاعتقالات الواسعة للمتظاهرين في نوفمبر 2019. يذكر أن عدد المعتقلين في نوفمبر / تشرين الثاني 2019 مرتفع لدرجة أن قوات الأمن استخدمت مدرسة في منطقة صنجور كمعتقل. ومنذ ذلك الحين يخضع الشباب العربي في منطقة سنجور أيضًا لمراقبة مشددة. ولا تزال قضية العديد من المعتقلين في تلك الأيام مفتوحة مما زاد من شدة الضغوط. وبحسب ما وصل إلى الصحفيين الإيرانيين المستقلين، فقد جرت بعض الاعتقالات في مدينة آبادان كإجراء احترازي. وقد تعرض شباب وشخصيات سياسية وصحفيون محليون يومي الأحد والاثنين للتهديد من قبل المخابرات والأمن. وهم غالبًا ما قد مُنعوا من الكتابة عن احتجاجات خوزستان ضد الجفاف.
شاديجان واستخدام أسلحة حربية
وبحسب معلوماتنا من مصدرين إخباريين مطلعين في خوزستان، بينهم عدد من عمال المصافي؛ ففي شاديجان تم استخدام أسلحة حربية ضد المحتجين. وفي هذه المنطقة وبسبب تخوف الحكومة من تسلّح المواطنين نظرًا لماضي هذه المنطقة، تصدت قوات الأمن للمتظاهرين بأسلحة حربية. كما إن هذا النوع من القمع، وإلى جانب انقطاع الإنترنت، قد حدّ من تدفق الأخبار المحلية من المنطقة؛ وهذا يثير مخاوف بشأن أوضاع أهالي شاديجان.
ويأتي هذا في حين أن شحّ المياه قد طغى بشدة على حياة سكان هذه المنطقة وجعلهم عاجزين عن كسب لقمة العيش. والدليل على هذا الادعاء هو الصور العديدة لأشجار النخيل الجافة وأراضي شاديجان الرطبة الذابلة. وبحسب مدير دائرة جهاد الزراعة في شاديجان؛ فقد نفلت أكثر من 7000 نخلة في المدينة كان عيش العديد من العائلات يعتمد عليها.
وشاديجان هي بلدة صغيرة تبعد 40 كم عن مدينة آبادان ويعيش معظم سكانها من خلال الزراعة وزراعة النخيل وصيد الأسماك وزراعة الخضروات والمحاصيل الصيفية. شاديجان هي صورة لشعب مزقته الحرب يكافح ضد كل أنواع العنف والتعسف والنهب والتمييز والقمع ليس لمدة ثماني سنوات من الحرب فقط وإنما لمدة أربعة عقود. وما يميّز شاديجان هو الفقر والبطالة.
ووفقًا لصحفي محلي كان قد سافر إلى خوزستان بعد عام من الفيضانات الأخيرة لتغطية الوضع: “في ذلك الوقت، كان سكان المنطقة يعيشون في خيام ولم تتمكن الحكومة من توفير المأوى لهم.. فتم توفير عمود إنارة واحد فقط للسكان الذين غمرتهم الفيضانات وسكنوا الخيام في المنطقة، وكانت الخيام بدون كهرباء ومعدات تبريد خلال هذه الفترة وذلك في حرارة خوزستان التي تحبس الأنفاس”.
ويمكن اعتبار الفقر والإقلاع عن الدراسة وحالات الزواج المبكر للفتيات هي القوة المهيمنة على أهالي محافظة خوزستان!
ماهشهر واختناقاتها المرورية الدموية
مدينة ماهشهر لا تزال تفوح منها رائحة الدم، رائحة الدم التي جفت على مزارع القصب منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019. وبحسب العديد من السكان المحليين والأهالي الذين يلمّون للمنطقة، فإن ما زاد من حدة القمع في المنطقة هو أهمية المنشآت النفطية بالنسبة للجمهورية الإسلامية. وبحسب المعلومات المنشورة في الفضاء الإلكتروني، فإن عيسى بالدي هو أيضًا أحد ضحايا الاحتجاجات في ماهشهر هذه الأيام. كما قُتل “ميثم عجرش” برصاص قوات الأمن خلال مظاهرات في مدينة ماهشهر وبلدة كوره أو بلدة طالقاني.
وبحسب التقارير الصادرة في الليلة السابعة للاحتجاجات، قام عدد من المتظاهرين بإغلاق الطرق المؤدية إلى ميناء إمام. كما أغلق شباب بلدة كورة الطريق بين ميناء ماهشهر ومدينة أهواز وبين رام هورمز وأوميدية بواسطة الحجارة. كما أغلقوا طريق المدخل المؤدي إلى منطقة كورة نحو ماهشهر أيضًا في محاولة لعرقلة عمليات القمع التي كانت تنفذها قوى القمع. ويأتي هذا في وقت، وقعت فيه مجزرة مزارع القصب في ماهشهر قبل عامين هي الأخرى في أعقاب واحدة من نفس الاختناقات المرورية الاحتجاجية.
أهواز وسوسنجرد، مركز المذبحة
تعترف مصادر عديدة بأن مدينتي أهواز وسوسنجرد كانتا مراكز مهمة لقوات الأمن في التعامل مع المحتجين. وكان فرزاد فريسات أحد الضحايا الشباب من أهالي مدينة أهواز والذي قُتل خلال الاحتجاجات.
وبحسب المعلومات التي تلقيناها، فخلال هذه الفترة، كانت الطريق من الأهواز إلى أنديمشك وشافر و… إلخ مليئة بسيارات من نوع “سمند” كان رجال الأمن يراقبون منها تحركات المواطنين في المنطقة. كما وإن عددًا من المعتقلين من بين المحتجين خلال انتفاضة العطشى كانوا قد اعتقلوا قبل ذلك أيضًا. وبحسب الأخبار المنشورة في الفضاء الإلكتروني، احتج أصحاب الشاحنات في مدينة أهواز أيضًا على المواجهات الأخيرة في هذه المدينة من خلال إضراباتهم في يوم 28 تموز (يوليو) 2021.
هذا ووفقًا لآخر المعلومات، استمرت الاعتقالات حتى يومنا هذا في كل من مدينتي سوسنجرد وخرمشهر والأحياء العربية في آبادان والعديد من المدن المحتجة الأخرى في خوزستان. كما ووفقًا لتقارير محلية، قُتل حتى الآن ثمانية أشخاص في احتجاجات خوزستان من بينهم مصطفى نعيماوي البالغ من العمر 30 عامًا من مدينة شاديجان، مكان الاستشهاد: مدينة أهواز، تاريخ الاستشهاد: يوم 16 تموز (يوليو) 2021. قاسم ناصري (خضيري) 17 عامًا من كوت عبد الله مكان الاستشهاد: كوت عبد الله، تاريخ الاستشهاد: 17 تموز (يوليو) 2021. محمد شناني مكان الاستشهاد: مدينة شوش. تاريخ الاستشهاد 20 تموز (يوليو) 2021. عيسى بالدي 27 عامًا من أهالي مدينة ماهشهر، مكان الاستشهاد: مدينة ماهشهر، تاريخ الاستشهاد: 20 تموز (يوليو) 2021. محمد كروشات من أهالي مدينة أهواز، مكان الاستشهاد: مدينة أهواز (شيلينج آباد)، تاريخ الاستشهاد: 20 تموز (يوليو) 2021. فرزاد فريسات (حمزة الفريساوي) 24 عامًا، مكان الاستشهاد: مدينة أهواز (شيلينج آباد)، تاريخ الاستشهاد: 21 تموز (يوليو) 2021، ميثم عجرش 20 عامًا، مكان الاستشهاد: مدينة ماهشهر (بلدة طالقاني)، تاريخ الاستشهاد: 21 تموز (يوليو) 2021، حميد مجدم (جوكاري)، مكان الاستشهاد: بلدة شمران. ويأتي هذا في وقت جرت فيه اعتقالات وإصابات ومذابح في أعقاب مسيرات دعم في مقاطعات أخرى، بما فيها لورستان وأصفهان وأذربيجان الشرقية ومدينة كرج بالقرب من العاصمة طهران.
فنحن، مجموعة من الصحفيين المحليين المستقلين في إيران، إذ نعبّر عن احتجاجنا على انتقائية إرسال الصحفيين إلى محافظة خوزستان وصمتهم حيال قتل الأبرياء المحرومين من حقوقهم الطبيعية الضرورية ومنها الماء ، فقمنا بإعداد تقرير من مصادر محلية موثوق بها ومن سكان محافظة خوزستان لكي نعكس الصوت المكبوت للمتظاهرين المحتجين في وسائل الإعلام التابعة للتيار الرئيسي، مع كوننا نعرف أننا ما زلنا نعاني من نتائج الرقابة بسبب عدم إمكانية تواجدنا في الميدان.
كما ومن الضروري أن نشدّد على أننا ندافع عن الحق في إعداد التقرير الرسمي والقائم على الحقائق عن القمع في محافظة خوزستان والمقاطعات والمناطق الإيرانية الأخرى، وهو الحق الذي تم سلبه الآن من المواطنين.
الصحفيون الإيرانيون المستقلون