الکاتب: مجتبى نجفي
بينما سيطرت حركة طالبان الأفغانية على أفغانستان، تعمل حركة طالبان الإيرانية على كسب ثقة البرلمان الذي لا يمثل إلا أقلية من أبناء الشعب الإيراني نتيجة إشراف مجلس صيانة الدستور على الانتخابات النيابية بنظام تأييد أو رفض أهلية المرشحين. إن طالبان الأفغانية تجول وتصول في جميع أنحاء أفغانستان وحركة طالبان الإيرانية تجول وتصول في هيكلية السلطة؛ لأن طالبان الإيرانية وعلى الرغم من سياسة المحسوبية وتربية اللوبي والداعم، فلها أغلبية معارضة رفضت سياساتها في العديد من المجالات بما فيها نمط الحياة.
لقد هُزمت حركة طالبان الإيرانية على جبهات مختلفة من قبل الأغلبية المعارضة. فإنهم لم يتمكنوا من فرض الشادور (عباءة النساء)، الزي الأيديولوجي للنظام السياسي على جميع النساء، ولم يتمكنوا من الاستمرار في سياسة حظر الفيديو والأقمار الصناعية. كما وقد فشلت سياسة تصفية الإنترنت وستفشل سياسة القضاء على الإنترنت عاجلاً أم آجلاً.
طالبان الإيرانية تريد مجتمعًا متجانسًا، والمشكلة تكمن في أن المجتمع الإيراني هو مجتمع تعددي ولا يقبل التجانس. فنتيجة ذلك، لن يُحصد نفع من شن الحرب على الشعب. ففي النهاية ليس مصير هذه الحرب إلا الهزيمة ولكن بدفع البلد ثمنها الباهظ.
طالبان الأفغانية حقيقة واقعة في أفغانستان. إنه يملك جزءًا من الرأي العام. لكن صعودها في السلطة يأتي نتيجة اتفاق دولي بين قوى عالمية وإقليمية دخلت الملعب تحت غطاء طالبان المعتدلة، وأنا أتوقع أن هذا الغطاء لن يدوم إلا لبضعة أيام أخرى حتى يفرض صنوف القمع والتنكيل على ابناء الشعب الأفغاني وخاصة أبناء قومي هزارة وطاجيك والعديد من الناطقين باللغة الفارسية.
لكن الهيمنة الكاملة لطالبان الإيرانية على السلطة التي احتضنت بحرارة نظيرتها الأفغانية ناتجة عن فساد الإصلاحيين، كما تكون طالبان الأفغانية هي نتاج تفشي الفساد في حكومة أشرف غني وكل المقاتلين الذين غرقوا في الفساد.
ليس القصد من ذلك، المقارنة بين حركتي طالبان في سياقين مختلفين لكن وصول إحداهما إلى السلطة في أفغانستان وتوحيد طالبان الإيرانية في مؤسسة السلطة يأتي جزئياً نتيجة تصرفات حكوماتها وأحزابها الإصلاحية الفاسدة. فقد سلّم الفاسد أشرف غني أفغانستان إلى طالبان على طبق من الذهب، وبدّد روحاني الجبان آمال أبناء الشعب الإيراني في التغيير وذلك بإفساح المجال أمام أمثال “واعظي” و”نمكي” وجيش الوزراء المتملقين.
لقد استولت حركة طالبان الأفغانية على المدن واحدة تلو أخرى بسهولة وبدون مقاومة، وسط لامبالاة شعب مرهق بفساد رجال الدولة. وبدورها استولت حركة طالبان الإيرانية على القصر الجمهوري والبرلمان بفعل نظام رفض أو تأييد أهلية المرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور من خلال شطب المنافسين في انتخابات مهندسة. لكنكم مخطئون تمامًا إذا اعتقدتم بأن هندسة الانتخابات كانت هي العامل الوحيد في ظهور حركة طالبان الإيرانية في هيكل السلطة التنفيذية. بل إن تفشي الفساد في حكومة روحاني والتيار الإصلاحي هو الذي سلّم الحكومة والبرلمان الفاترين إلى التيّار المنافس على طبق من الذهب.
فقبل نظام رفض أو تأييد أهلية المرشحين، كانت هزيمة الإصلاحيين أمرًا واضحًا لأن المواطنين كانوا قد سئموا من شبكة للعلاقات الريعية، كما كانوا قد سئموا من وجود الصحفيين في مجالس الإدارة المتخصصة ومن توزيع الوظائف والامتيازات بين الأصدقاء، من التسامح والتخاذل وعدم وجود مقاومة ومن عدم نشر تقارير أو حسابات عن أعمال رجال الدولة ومن وجود الأنذال في مناصب مختلفة ومن عبارات “لا يمكن” و”لا نستطيع” و”الجانب المنافس أقوى منّا”. وكان المواطنون قد سئموا من أن العديد من الأحزاب الإصلاحية غير قادرة على النهوض بمطالبها بسبب ضلوعها في الفساد بتخطيط من قوات الأمن.
كان المواطنون قد سئموا من صولات وجولات الجينات الجيّدة أي أبناء الكبار خاصة ابن ذلك القائد الحرسي الصامت الذي كان من المقرر أن يتولى القيادة الفعّالة لحركة الأقلية القوية في البرلمان. لهذا السبب ، كان كل من البرلمان وقصر رئاسة الجمهورية قد تم تسليمهما لحركة طالبان الأصيلة الخاضعة لرعاية القيادة العظمى (المرشد الأعلى). فقد أعلن المواطنون أن نموذج “لا يمكن ولا نستطيع” قد انتهى. وقد انتهى كون المواطنين مضطرين للانتخاب بين السيئ والأسوأ أو بين الفساد الأكبر والفساد الأصغر.
إن كون حركة طالبان تجول وتصول في المدن الأفغانية وكون حركة طالبان الإيرانية تجول وتصول في البرلمان الإيراني يأتي نتيجة الفساد الذي يصيب المواطنين باليأس والخيبة. فإن الفساد من شأنه تعريض قاعدة التيّار لفقد الإحساس وللغضب أوللامبالاة. فحاليًا إذا كان الإصلاحيون منتظرين لإعادة تسخين أجواء الانتخابات باستغلال الأزمات التي سيواجهها إبراهيم رئيسي، فهم خاطئون تمامًأ. لأنه ليس النظام ليوظّفهم ولا أبناء الشعب يوجد لديهم حماس لدعم التيّار الذي بات مفلسًا من حيث الخطاب والتنظيم والأخلاق.
إن كسب ثقة الشعب وإقبالهم يتطلب إحياء الثروة الاجتماعية، وبدوره يتطلب إحياء الثروة الاجتماعية إعادة النظر جذريًا في المسار المسلوك. والخطوة الأولى تكمن في أن يعترف الإصلاحيون بإفلاسهم في ثلاثة أبعاد وهي: أخلاقية وخطابية وتنظيمية وأن لا يتعاملوا مع المواطنين من موقع القوة. ولم يُشاهد حتى الآن أي بادرة أو مؤشر على هذا الإعتراف الصريح الصادق بالإفلاس، غير الأنانية والتبجح.