إن الكشف عن صور الكاميرات المغلقة لأجزاء من سجن إيفين ونشر وثائق سرّيّة خاصة لهذا السجن الرهيب في شمال العاصمة طهران على ايدي مجموعة قرصنة تسمى بـ “عدل علي” قد كشف جانبًا ضئيلًا من الظلم والتعسف في جهاز القضاء الإيراني وممارسة العنف الممنهج المستمر في السجون الإيرانية.
ففي الصور التي نشرتها مجموعة القرصنة هذه، فإن المعاملة العنيفة للسجناء من قبل مسؤولي السجن ومحاولات بعض السجناء للانتحار والمعاملة اللاإنسانية لسجين قد فقد وعيه، وبشكل عام الوضع غير المواتي لعنابر السجن قد لفتت المزيد من الاهتمامات أكثر من أي شيء آخر.
بعد أيام قليلة من نشر هذه الصور والوثائق، أبدى كل من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والجماعات والمنظمات الحقوقية والناشطين السياسيين والمدنيين ردود فعل عديدة على كشف ونشر هذه الصور. ويعتبر الكثيرون أن ما يحدث للسجناء في السجون الإيرانية، خاصة في السجون الأقل شهرة في المدن الصغيرة، هو أبشع وأسوأ بكثير من الصور التي تم نشرها أثناء عملية الكشف والتعرية هذه ليطلع عليها عموم المواطنين. إن الصور والوثائق المسربة من سجن إيفين تأتي دليلًا دامغًأ وواضحًا على الوضع الحالي في مختلف عنابر سجن إيفين، مما يؤكد كل روايات الاضطهاد وسوء المعاملة وصنوف عمليات التعذيب ضد السجناء. من ناحية أخرى، يمكن استخدام هذه الصور كمستندات موثوق بها لإثبات العملية المنهجية لجهاز القضاء الإيراني في التعامل مع السجناء، وخاصة السجناء السياسيين.
قمع ممنهج للمعتقلين في إيران والحرمان المستمر من السلطات القضائية
بعد الكشف عن صور الكاميرات المغلقة في سجن إيفين، يعتبر العديد من النشطاء السياسيين والسجناء السابقين في ردود فعل مختلفة أن ما يشاهد في هذه الصور، مثل المعاملة العنيفة للسجناء أو محاولة انتحار السجناء، ليس سوى جزء ضئيل مما يفرض من ظلم وتعسف على السجناء في السجون الإيرانية. وحسب العديد من هؤلاء السجناء، واستنادًا إلى الروايات المنشورة عن الواقع المؤسف السائد في السجون الإيرانية الأخرى، فإن ظروف مجموعة كبيرة من السجناء السياسيين وغير السياسيين في السجون الأقل شهرة هي أسوأ بكثير من ظروف سجن إيفين.
هذا وفي يوم الخميس 25 آب (أغسطس) 2021 أصدرت مجموعة من السجناء السياسيين المحتجزين في سجن إيفين، بيانًا دعوا فيه منظمات حقوق الإنسان إلى “الاهتمام الجاد والفوري” بأوضاع السجناء الإيرانيين، مستشهدين في ذلك بنشر لقطات الكاميرات المغلقة الخاصة للمراقبة. ففي إشارة إلى أساليب التعذيب المختلفة في السجون الإيرانية جاء في جزء من بيان هؤلاء السجناء أن عمليات التعذيب الأبيض (عمليات التعذيب النفسي والعقلي للسجناء، مثل الحبس في الزنزانات الانفرادية) لا يتم تسجيلها بواسطة أي كاميرا. وكما كتب هؤلاء السجناء فإن “غرفة الاستجواب والآباء والأمهات والزوجات والأطفال الذين يتعبون ويرهقون أكثر فأكثر كل يوم من عدم زيارة أحبائهم ومتابعة قضاياهم في الدوائر الفوضوية وعدم تحمل المسؤولية من قبل السلطات والمعاملة المهينة بحق السجين وعائلته تعتبر من عمليات التعذيب التي لا يتم تسجيلها في أي مكان.
الروايات التي يتم تسريبها أحيانًا من بعض النزلاء في ظروف قاسية وغير مواتية، أو التقارير المنشورة عن التعذيب الذي يتعرض له المعتقلون في سجون غير معروفة، والمعاملة اللاإنسانية من قبل السلطات بحق عوائل هؤلاء السجناء، تظهر أن التعامل الشرس للسلطات القضائية والأمنية وكبار المسؤولين في في سجون البلاد مع المعتقلين تعامل منهجي له ماض طويل.
هذا ونشرت تقارير عديدة حول الوضع المؤسف لسجن قرشك والسجن الكبير في محافظة طهران تشير العديد منها إلى سوء حالة المعتقلين. كما نشرت أنباء مختلفة عن إضراب السجناء عن الطعام في هذه السجون بسبب سوء حالة السجن وحالات الحرمان الجارية للمعتقلين.
إن الكشف عن صور المعاملة العنيفة للسجناء من قبل عناصر النظام في السجن والحالة المؤسفة للزنزانات والعنابر في سجن إيفين، تظهر في الحقيقة جزءًا من هذا السجن الكبير. وفي السنوات الأخيرة، تم إنشاء وتطوير عديد من الأجنحة في سجن إيفين تخضع فعلًا لإشراف مختلف الأجهزة الأمنية ومنها جناح أو عنبر اثنين – ألف التابع للحرس الثوري أو عنبرا 209 و 240 اللذان وبوجه التحديد يخضعان لإشراف وزارة المخابرات. تم تنفيذ هذا الأسلوب في العديد من السجون الأخرى أيضًا في إيران، مثل سجن وكيل آباد في مشهد. وفي هذه الأجنحة الأمنية تكون أبعاد الضغط على المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي عالية جدًا. وقد نشرت أنباء عديدة عن تعذيب وسوء معاملة المعتقلين في هذا العنبر. وعلى الرغم من أن الصور المسربة من سجن إيفين لم تظهر بعد صور هذه العنابر الأمنية، إلا أن نشر وثائق السجن السرية الخاصة بمعاملة السجناء السياسيين وسجناء الرأي يظهر كيف ينظر المسؤولون القضائيون والأمنيون إلى السجناء السياسيين وسجناء الرأي.
تأكيد “قراصنة الكاميرات” على دور إبراهيم رئيسي في الوضع الراهن
إن مجموعة قرصنة الكاميرات والمسماة بمجموعة “عدل علي” وفي نص وضعته على شاشة كاميرات غرفة المراقبة في سجن إيفين، قد أشارت بوجه التحديد إلى دور إبراهيم رئيسي الرئيس السابق للسلطة القضائية والرئيس الحالي للسلطة التنفيذية في خلق الوضع الراهن في سجن إيفين.
إن تأكيد مجموعة القرصنة هذه على اسم إبراهيم رئيسي خاصة في الأيام الأولى من حكومته، يأتي تأكيدًا جديدًا على ماضيه المظلم طيلة السنوات الثلاثين الماضية من عمله في السلطة القضائية في نظام الحكم القائم في إيران . كما وإن إلقاء نظرة فاحصة على تاريخ بعض الصور المنشورة لسجن إيفين يؤكد أن هذه الأفلام تعود إلى عهد رئاسة إبراهيم رئيسي للسلطة القضائية الإيرانية.
هذا وخلال تواجد إبراهيم رئيسي في جهاز القضاء شوهدت حالات عديدة من تصعيد سلوكيات منتهكة لحقوق الإنسان من قبل المؤسست والأجهزة المؤتمرة بإمرة السلطة القضائية بدءًا من السلوكيات غير الإنسانية ضد السجناء في السجون الإيرانية وليس انتهاءًا إلى تصعيد الضغوط القضائية والأمنية على المتهمين السياسيين ومتهمي الرأي والنشطاء المدنيين.
ومنذ تعيين إبراهيم رئيسي رئيسًا للسلطة الضائية في آذار (مارس) عام 2019 لقي ما لا يقل عن ثلاثة سجناء سياسيين وهم ساسان نيك نفس وعلي رضا شير محمد علي وبهنام محجوبي حتفهم في السجن، مع أن هذا الرقم يتضمن الوفيات التي تم الإعلان عنها فقط ولا يتضمن الرقم الأعلى بكثير للوفيات في صفوف السجناء غير السياسيين.
وأدى عدم الاعتناء المبكر بحالة بهنام محجوبي الجسدية إلى وفاة سجين الرأي هذا. وكانت تقارير عديدة قد نشرت عن تعرض بهنام محجوبي عمليات التعذيب الوحشية. وكان من بين أشكال التعذيب التي تعرض لها سجين الرأي هذا نقله إلى مستشفى للأمراض النفسية وترقيده هناك. وهذا سلوك مورس بحق بعض من معتقلي الرأي والسجناء السياسيين أثناء رئاسة إبراهيم رئيسي لجهاز القضاء.
كما وإن تواجد إبراهيم رئيسي طويلاً في جهاز القضاء التابع للنظام الإيراني ودوره البارز في الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان، فضلاً عن عضويته في “لجنة الموت” المسؤولة عن إعدام عدد كبير من السجناء السياسيين عام 1988 ، تعكس وجود رؤية في جهاز القضاء التابع للنظام الإيراني لا ترى قيمة لـ “حياة السجين”. إن فرض ضغوط أمنية وقضائية على السجناء وتعذيبهم وإهانتهم ليس فقط نتاجًا لفكرة التقليل من قيمة “حياة السجين”، وإنما مثال دقيق أيضًا على انتهاك “كرامة” أبناء البشر. وقد تجلى الجهل بـ “الكرامة الإنسانية”، الذي يظهر في أسوأ أشكاله وأشدها عنفاً في سجون البلاد ومن قبل موظفي “القضاء”، في أشكال أخرى أيضًا في السنوات الأخيرة؛ كما إن الاحتجاجات الواسعة النطاق في البلاد على سبل العيش ومحنة عدد كبير من الناس في البلاد تأتي في الحقيقة احتجاجات ضد تقويض “الكرامة الإنسانية” في ظل الفقر والأزمات الاجتماعية المتفاقمة.
يبدو أنه ونتيجة تعيين إبراهيم رئيسي رئيساً للسلطة التنفيذية وكون تاريخه الطويل في القضاء، إحدى الركائز الأساسية للحكومة، اتضح للناشطين السياسيين والمدنيين التوجه العام للحكومة. فطبعًا تصبح المواقف الخاصة لاحتجاجات مختلف فئات المجتمع الإيراني أيضًا متضحة ومتجانسة بنفس النسبة ضد نظام الحكم والسلطات المسؤولة.