بقلم: حمید آقايي عضو مجلس المدراء في مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني
يناقش أنطونيو نيجري، الفيلسوف والناشط والمنظر الاجتماعي السياسي الإيطالي اليساري في كتابه “التمرد وسلطة التنظيم والدولة الحديثة”، وجود ودور نوعين من السلطة والقوة الاجتماعية والسياسية. ووصف هاتين السلطتين بأنهما “سلطة التنظيم” و “السلطة الخاضعة للتنظيم”.
ويرى أنطونيو نيجري أنه ومنذ تشكيل الحكومات الحديثة التي تحكمها انتخابات برلمانية وحكومات ديمقراطية، كان هناك دائمًا توتر وتناقض بين شكلي السلطة. الهدف الرئيسي لسلطة التنظيم هو الحفاظ على قوة واستقرار العلاقات الاجتماعية والسياسية.
وسلطة التنظيم من ناحية، هي بطبيعتها معادية للنظام المنظّم ومن ناحية أخرى تأتي مقيدة بالقوانين التي كانت هي نفسها ترغب في أجزاء مهمة منها على أقل تقدير، وهي حتى قد ساهمت في إنشاء النظام الجديد أيضًا.
في الثقافة السياسية السائدة اليوم، يمكننا أن نصف قوة التنظيم التي يقصدها أنطونيو نيجري بأنها هو المجتمع المدني المستقل عن الحكومة. أما السلطة الخاضعة للتنظيم فهي تتكون من الحكومة والأحزاب السياسية الناشطة في إطار سيادة واحدة ودستور مشترك.
يعتبر أنطونيو نيجري أن “سلطة التنظيم” هي الإرادة والرغبات الجماعية للتغيير، وهي إرادة لها أبعاد مختلفة. لهذا السبب، وفي رأيه، تمثّل التطلعات الديمقراطية جزءًا لا يتجزأ من سلطة التنظيم، لأنه بدون الديمقراطية، لا يمكن تحقيق الإرادة المتنوعة والمتعددة الأبعاد. لكن المشكلة هي أن النظام والسلطة الخاضعة للتنظيم في أشكال الحكومة والبرلمان لا يمكن أن تمثل عادة هذه الإرادة المتعددة الأبعاد والملونة للمجتمع. وبالتالي، إذا كان المجتمع المدني وهذه المطالب الفسيفسائية سيوجهها النظام القائم، فمن المؤكد أنه سيتم إنقاصها وتقييدها.
والمشكلة الأخرى هي حقيقة أن النظام الخاضع للتنظيم، ومن خلال قوانينه، يمكن أن يقيد أنشطة المجتمع المدني بطرق مختلفة ويمنع تحقيق إرادته ورغبته.
الحل الذي يُطرح عادة للتخلص من هذا الوضع المتناقض هو استخدام الأشكال القانونية الحالية للانتخابات أو توفير الاستعدادات القانونية للاستفتاء. ومع ذلك، فقد أظهرت التجربة أن نطاق فعالية هذا الحل لا يزال مقصوراً على القواعد والنظام اللذين تم إرساؤهما؛ في الواقع، إنه أحد الأسباب الرئيسية لاستياء المجتمع المدني من حكوماته في ديمقراطيات مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ومع ذلك، قد يكون الحل الآخر هو الانتفاضة ووجود ملايين الأشخاص في الشوارع لإحلال نظام جديد محل النظام القديم وهو وجود لا يمكن قمعه لسبب اتساع نطاقه ويمكن، في حالة الاستمرار ووجود قوة رائدة، أن يؤدي إلى تغييرات هيكلية جادّة في النظام السياسي القائم.
لذلك، كما أسمى أنطونيو نيجري كتابه “التمرد وسلطة التنظيم والدولة الحديثة”، لا يمكن تحقيق تغييرات هيكلية جادة والانتقال من النظام الحالي إلى النظام المطلوب إلا بوجود عاملين مهمين يدعوان إلى التغيير وسلطة التنظيم وهو يعني حضور المواطنين في الشارع والمجتمع المدني. لكن استخدام مصطلح “الدولة الحديثة” في عنوان كتاب أنطونيو نيجري يوحي بأن هذه الطريقة يمكن استخدامها فقط في دولة ديمقراطية حديثة.
الواقع أنه وفي المجتمعات الديمقراطية والحديثة، يكون للشارع والمجتمع المدني والدولة مكانة ووظيفة مختلفة عن المجتمعات الانتقالية التي يحكمها حكم سلطوي.
في المجتمعات الحديثة، يكون المجتمع المدني مستقلاً عن الدولة ويعمل كمظلة للمجتمع ضد الدولة. كما يتعين على الأحزاب السياسية التفاعل مع المجتمع المدني والاهتمام بمطالبهم من أجل الحصول على المزيد من المقاعد والبقاء في السلطة.
كما أن لحضور المواطنين في الشارع علاقة عضوية ومستمرة مع المجتمع والمؤسسات المدنية. وهذا يعني أن تواجد أبناء الشعب في الشوارع (حتى على نطاق واسع جدًا) لا يتم عادةً بدون خطة وتوقعات؛ والمؤسسات المدنية هي المسؤولة عن تنظيم وإدارة هذا الوجود ومنع الفوضى والدمار. في الوقت نفسه، في هذا الحضور في الشارع، عادة لا يتم التشكيك في النظام السياسي بأكمله ولا يتم إطلاق أي شعار للإطاحة الكاملة بالنظام القائم.
فسلطة التنظيم والحكومة والنظام القائم، على الرغم من تحالف الأحزاب، لها هيكل واحد وأقل عرضة للنزاعات الداخلية الخطيرة، والفساد إلى درجة مقبولة خاضع للسيطرة والمراقبة، خاصة من قبل وسائل الإعلام الحرة والمؤسسات المدنية. .
لكن فيما يتعلق بإيران تحت حكم الجمهورية الإسلامية، فإن العوامل الثلاثة المذكورة أعلاه، الحكومة (النظام القائم) والمجتمع المدني والشارع، لها معنى ومكانة مختلفة.
فبسبب نقص الديمقراطية، لا يمكننا الحديث عن مجتمع مدني حقيقي في إيران اليوم. المجتمع الإيراني هو مجتمع يمر بمرحلة انتقالية إلى الديمقراطية والحضارة والحداثة، وقد تمكن في السنوات الأخيرة من إنشاء مؤسسات شعبية مستقلة نسبيًا وه طبعًأ، مؤسسات أخذت على عاتقها مهامٌا ثقيلة ومزدوجة للغاية. فمن جهة، تحاول هذه المؤسسات تمثيل المطالب النقابية لفروعها أو دعم الشرائح المحرومة في المجتمع، ومن جهة أخرى، وبسبب عدم وجود أحزاب سياسية مستقلة وشعبية، من المتوقع أن يلعب بعضها دور الأحزاب السياسية أيضًا.
كان الحضور الواسع للمواطنين في الشوارع، كما في عامي 2017 و 2019، شرارة ولكن غير مخطط له وبلا قيادة ولذلك سرعان ما أدى إلى العنف والقمع من قبل عناصر النظام. ففي هذه الحالات من حضور الشوارع، لم يكن هناك دور للمؤسسات الشعبية والمراكز والجمعيات غير الحكومية، بل هي تفاجأت بذلك الحضور. وبعبارة أخرى، لم يكن لحالات الحضور الشعبي في الشوارع مثلما حصل خلال انتفاضتي 2017 و 2019 علاقة وتنسيق مع المؤسسات الشعبية، والآن في حال وجود احتجاج شعبي كبير جدًا، لا يمكن للمؤسسات الشعبية أن تلعب دورًا جادًا في إدارة هذا الوجود، وهي، مثل بقية المواطنين الإيرانيين تتفاجأ بالانتفاضة.
إن مؤسسة السلطة والنظام الخاضع للتنظيم (حكم الجمهورية الإسلامية) ليست منظّمة بالمعنى الحقيقي بل تعاني من أزمات هيكلية وسياسية واقتصادية جادّة بسبب عدم الكفاءة والفساد والعصابات.
وبالتالي، نظرًا لهذه الاختلافات الجسيمة بين دور وموقع النظام القائم والمجتمع المدني والشارع في المجتمعات الحديثة والديمقراطية وفي المجتمع الإيراني، فإن نظرية أنطونيو نيجري حول التمرد والوجود في الشارع، إلى جانب دعم المجتمع المدني، لا يمكن تطبيقها بسهولة على المجتمع الإيراني.
لا يسعنا إلا أن نقول إنه وفي حالة تحقّق بعض الشروط المهمة للغاية، يمكننا أن نتوقع أن يكون للشارع والمؤسسات الشعبية في إيران دور فعال ووظيفة من أجل الانتقال السلمي من الجمهورية الإسلامية؛ بما فيها:
العمل على الحفاظ على استقلال المؤسسات الشعبية عن نظام الحكم، وفصل الموظفين المنتمين للنظام عنها وطردهم من هذه المؤسسات.
احترام استقلال هذه المؤسسات من قبل القوى السياسية، ولا سيما معارضة الجمهورية الإسلامية؛
التركيز الجاد للغاية على النظام والتنظيم باستخدام الشبكات الافتراضية للحفاظ على أمن القادة الميدانيين والنشطاء المدنيين؛
هذ وإن المؤسسات الشعبية هي مكوّنة من مجموعة واسعة من النقابات والمجالس العمالية، ورابطة نقابات المعلمين، والمجموعات الشعبية لمساعدة الفتيات الهاربات والنساء العازبات، والمجموعات الشعبية لمساعدة المدمنين على المخدّرات، والمجموعات الشعبية لحماية البيئة، والمجموعات الشعبية لمساعدة أسر السجناء؛
التقارب والتعاون بين المؤسسات الشعبية شرط أساسي وحيوي لاستمرار نشاط المؤسسات الشعبية كافة.
فيجب تحويل الشارع إلى مكان لانبثاق هذا التحالف، أي إذا نظمت إحدى المؤسسات تجمعًا من أجل تحقيق مطالبها، فعلى المؤسسات الأخرى أن تدعمها بل وأن تقف إلى جانبها؛
لا يمكن مقارنة النشاط المدني والنضالات النقابية وشؤون الشارع بعضها مع البعض. فالأول هو استراتيجية والثانية هي تكتيك أو نهج أو أداة. على سبيل المثال، يمكن أن تتخذ النضالات النقابية شكل الإضرابات وعدم التعاون مع النظام الحاكم، تمامًا كما يمكن أن يكون وجود النقابات والطبقات في الشوارع شكلاً من أشكال الطلب.
لذلك، فقط من خلال تحديد الموقف والمعنى الحقيقي للنضالات النقابية والمدنية والشارع وحدود توقعاتنا من هاتين الفئتين، يمكننا إقامة علاقة عضوية ومتوقعة بين الشارع والنضالات النقابية والمدنية.