بقلم: حمید آقايي عضو مجلس المدراء في مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني
منذ آلاف السنين، تحتفل الشعوب والثقافات المختلفة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية بليالي بداية فصل الشتاء، والمعروفة من الناحية الفلكية باسم “الانقلاب الشتوي”(winter solstice) . وفي الحقيقة، تعتبر مهرجانات النور التي تقام بهذه المناسبة احتفالات بهذه الثورة الطبيعية التي تحدث مع مرور الشمس والأرض من نقطة معينة في الفلك وتتسبب في بدء مسار تقلص ليالي الشتاء الطويلة والمظلمة.
لكن احتفالات النور هذه، التي تظهر متعة وفرح انتصار النور على الظلام، اتخذت على مرّ القرون طابعًا دينيًا وتم ربط توقيتها الطبيعي بالأحداث الدينية مثل كثير من التقاليد والعادات الثقافية والاجتماعية. فاحتفالات النور في ليلالي عيد الميلاد (24 و 25 ديسمبر) التي يقيمها المسيحيون تذكر على الظاهر بميلاد عيسى المسيح، ولكنها في الحقيقة مقتبسة من احتفالات النور المقامة من قبل الرومان القدماء. وفقًا لقاموس “دهخدا”، فإن كلمة “يلدا” هي كلمة سريانية تعني الولادة من “ولد، يلد” العربية؛ وإذ صادفت ليلة يلدا ليلة ميلاد المسيح، فسميت تلك الليلة بيلدا بهذه المناسبة؛ يعني ليلة عيد الميلاد.
ومع أنه في العديد من الثقافات القديمة، كانت العديد من الأحداث الطبيعية تُنسب إلى أسباب ما وراء الطبيعة وإلى الآلهة، وبالتالي ربما يمكن وضع تشابه الحدث الطبيعي المسمى “الانقلاب الشتوي” مع ولادة يسوع المسيح في نفس الفئة؛ لكن هناك فرقًا كبيرًا بين هذا التكيّف وما تم في العصور القديمة.
لم تكن الآلهة في أساطير اليونان القديمة مجرد رموز لقوى طبيعية غير معروفة، ولكنها كانت تعكس أيضًا مشاعر بشرية مختلفة مثل الغضب والحب والغيرة. كانت الآلهة اليونانية مشابهة للإنسان، حيث كانوا يقاتلون بعضهم البعض، وكانوا يشعرون بالغيرة من بعضهم البعض، وعاشوا في نفس العوالم البشرية المعروفة وخلاصة القول إن تلك الآلهة لم تكن غامضة. لهذا السبب، قبل ظهور فلاسفة مثل أرسطو (قبل أكثر من ثلاثة قرون من بداية التاريخ المسيحي)، كان الاهتمام الأكبر للمفكرين والكتاب اليونانيين ينصب على المشاعر الإنسانية الشديدة ويمكن الإشارة في ذلك إلى العمل الشهير للقاصّ والشاعر اليوناني هوميروس (حوالي ثمانمائة عام قبل بداية التاريخ المسيحي)، المسمى “الإلياذة”، والذي تناول فيه غضب ومشاعر المحارب الأسطوري “أخيل” الذي لم يكن يعرف الخوف.
ولكن الهوهوية التي تم تحقيقها بعد ظهور الديانات الإبراهيمية وسيطرتها على أمم النصف الشمالي من الكرة الأرضية بين الأحداث والوقائع الطبيعية من جهة والأعياد والمناسبات الدينية من جهة أخرى، كانت محاولة لإضفاء الطابع الديني لردود الفعل البشرية تجاه الأحداث الطبيعية، وهي من نوع مختلف تمامًا عن أساطير اليونان القديمة.
إذا كانت تلك القصص الأسطورية مبنية على ما هو موجود وملموس، سواء في شكل أحداث طبيعية أو في شكل مشاعر الإنسان الداخلية، لكن العلاقة والنسبية بين الأحداث الطبيعية والأحداث الدينية في الديانات الإبراهيمية كانت متجذرة في كائن غير مرئي وغامض وغير معروف. وهو كائن، على عكس الآلهة الأسطورية، لم يكن يأت من عالم الكون الموجود القابل للمعرفة، بل كان يأتي من العالم غير الموجود وغير المفهوم. كائن كان رسله إما يولدون في حالة من الغموض وإما يُبعثون خفية وكانت أداتهم الوحيدة لإثبات أنفسهم هي معجزات غير معقولة وغير ممكنة. كائن كان وبخلاف الأساطير اليونانية القديمة التي كانت تعكس كل المشاعر البشرية، مبنيًا أكثر من كل شيء آخر على الخوف والخشية بحيث يجب تسمية الكتب الدينية بـ “رسائل الخوف والخشية” بدلاً من خطابات النصيحة والموعظة؛ (مقتبسة من أحد خطابات الدكتور عبد الكريم سروش).
وبعد بداية عصر التنوير والاستعادة التدريجية لأصالة الإنسان والطبيعة، بمعنى آخر بعد عودة الإنسان إلى نفسه، لم يعد يُطلب تفسير للخوف بأنه ناجم عن مصدر وعوامل خارج الوجود البشري (الأديان والآلهة) بل، يُعترف بالخوف مرة أخرى على أنه حالة بشرية ونفسية وحتى فيزيولوجية بحتة، إلى جانب المشاعر الإنسانية الأخرى. لم يعد يُعرّف الخوف بالخوف من وجود شيء مجهول وغامض له قوة تتجاوز عالم الإنسان، ويحاول الفلاسفة وعلماء النفس إيجاد أسباب داخلية وإنسانية للشعور بالخوف. لم يعد الخوف هو الهروب والاختباء من غضب القوى المتعالية أو إنقاذ النفس من العذاب باللجوء إليها وقبول عبادتها، وإنما الخوف هو في الواقع مكافأة صرنا نكتسبها من خلال نيل حريتنا وعلمنا ووعينا بقدراتنا كإنسان حرّ متخلص. لذلك يمكن أن يعلّمنا هذا الخوف أيضًا كيفية استخدام فرصنا ومواهبنا للتطور والتقدم وخلق التوازن في بيئتنا المعيشية. (في هذا الصدد، يمكننا الرجوع إلى نظريات هايدغر وكاي ريكيجارد وإريك فورم).
توماس هوبز (1588-1679) هو اسم معروف في مجال الفلسفة السياسية. بالنسبة له أيضًا، كان الخوف – بمعناه الداخلي والإنساني والنفسي البحت – عاملاً مهمًا في صياغة نظريته الشهيرة حول العقود الاجتماعية. فحتى ما قبل البداية التدريجية للنظام الاجتماعي والسياسي وتشكيل دول قومية جديدة، سادت الحرب والاضطرابات في مختلف الأراضي وبين المجموعات العرقية المختلفة. كان توماس هوبز يرى أن الإنسان ومن أجل الحفاظ على سلامته وصحته وخوفًا من الحرب وإراقة الدماء، يجب عليه الموافقة على نقل جزء من قوته الفردية وحرياته إلى نظام سياسي من خلال العقود الاجتماعية. وإلا فإنه سيظل يعاني من الحرب والفوضى. هذه النظرية صحيحة منطقيًا، خاصة بالنظر إلى الظروف التي عاش فيها توماس هوبز، بما في ذلك الحروب الأهلية في إنجلترا في ذلك الوقت، وكل مجتمع يحتاج إلى نظام اجتماعي، ويمكن أن يقيّد هذا النظام جزءًا من الحريات الفردية. لكن يبدو أن نظرية العقود الاجتماعية – حيث كان الشعور بالخوف كعامل داخلي ونفسي للإنسان أحد الشروط المسبقة الرئيسية لتنظيمها من قبل توماس هوبز – أصبحت تدريجياً عاملاً مخيفًا خارجيًا، مثل الآلهة والأديان.
وتمثل معظم الحكومات والأنظمة السياسية الموجودة في الواقع قسمًا واحدًا معيّنًا وطبقة واحدة فقط من المجتمع. ومع ذلك، فإن الطبقات الحاكمة، باسم النظام الاجتماعي والأمن، وبحجة السيادة الوطنية، تدعو الناس إلى التنازل عن جزء من حرياتهم للنظام القائم. في هذا الصدد، فإن المخاوف من الأزمات السياسية، والحرب، والإرهاب، وانعدام الأمن الاقتصادي، والمستقبل الغامض، الذي ليس له مصدر داخلي حقيقي، تغذيها وتؤججها الحكومات والأنظمة السياسية القائمة. ولا يتمثّل الخوف من التخلف عن الأعراف الاجتماعية العادية، والخوف من البطالة، والخوف من مستقبل اقتصادي غير موثوق به عند التقاعد، والخوف من الإرهاب، وبالتالي قبول تدخل الحكومة في الشؤون الشخصية، إلا في “حكومات الخوف”.
وفي الجمهورية الإسلامية أيضًا، لا يمر يوم إلا ويتم فيه تخويف المواطنين من العذاب في الدنيا والآخرة. وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم أدوات التخويف التي كانت الجمهورية الإسلامية ولا تزال تراهن عليهما كثيرًا وتخصّص لها نفقات هائلة. إن سورينة إيران وأخطار التفكك والأعداء الخارجيين الذين ينوون زعزعة الأمن الداخلي الذي يعتبر بحسب رئيس الجمهورية الإسلامية أساسًا لاستقرار إيران، تعتبر من عوامل أخرى في بثّ الرعب والخوف في أوساط المواطنين وقمع قوى المعارضة وتقييد الحريات.
لكن يجب إعادة النظر في التعريف الكلاسيكي للخوف، الذي يتسبب في تجنّب الخطر، وخاصة خطر الموت والحرب والدمار وهو الخوف الذي يبدو أنه يمكن أن يحافظ على سلامتنا وراحتنا، ونحن على استعداد للتخلي عن بعض مطالبنا والتنازل عن حرياتنا الفردية والخضوع للنظام الراهن. لأنه وبدون هذا الشعور الداخلي بالخوف، لا يستطيع الإنسان اكتشاف مواهبه الداخلية وتنميتها؛ المواهب التي تكمن فيها الثروات والقيم الإنسانية وتعطي الأصالة لوجود الإنسان، والشعور بالخوف يمكن ويجب أن يستخدم لتعقبها واستعادتها وليس للهروب والاختباء واللجوء إلى نفس الكائنات التي تتسبب في إثارة مخاوف مصطنعة .
هناك نوعان من ردود الفعل على الخوف، إما الهروب والقصور أو مواجهته. لكن هذا ممكن فقط عندما ندرك حقيقة أن الخوف ليس له سبب ودافع خارجي، وحتى إذا ظهر في هذا الشكل، فهو غير واقعي ومصطنع. الخوف متجذر في باطن الإنسان وهو في الحقيقة تعبير عن جهل الإنسان بالعديد من المواهب والإمكانيات التي يمتلكها. لكن اكتشاف هذه المواهب لا يتحقق بالهروب والاختباء، بل يتحقق بمواجهة الخوف وتحدّيه ومقارعته.
لحسن الحظ، وعلى عكس الماضي الذي كان نظام الحكم يحاول فيه إدارة الشعب في ظل الخوف، فإننا نشهد منذ سنوات انتشار الاحتجاجات على سياسات الجمهورية الإسلامية والهجمات اللفظية ورفع الشعارات ضد المرشد الأعلى بدون خوف من الاعتقال والقتل. وفي هذا المجال، يمكن أن نذكر بعض الأمثلة:
- هتافات متشدّدة ردّدها الطلاب منذ سنوات عديدة ضد ممثل المرشد الأعلى في جريدة “كيهان” وهو المدعوّ حسين شريعة مداري، خلال خطابه في جامعة طهران، حيث ردّد الطلاب هتافات بما فيها: “يا مستجوب السجناء، اخرج من هنا”، “الموت للرجعية”. و”أيها الكاذب اخجل، واترك الجامعة”، “أنت المطرقة، أنت الفأس، أنت خائن مثير الفتن”، “أنت بلا شريعة، أنت بلا ضمير؟”.
- المحامون الشجعان الذين حاولوا إعداد شکوی ضد خامنئي بسبب سياساته المعادية لإيران فيما يتعلق بمقاطعة شركة فايزر ولقاحات مودرنا مما أدى إلى اعتقالهم وسجنهم وهم المحامون الذين، على عكس الماضي، لم يستطع النظام جلبهم إلى التلفزيون وإجبارهم على الاعتراف والتوبة؛
- حالات معارضة صريحة منذ سنوات عديدة من قبل الاختصاصيين والأكاديميين والنشطاء السياسيين والمدنيين لبرامج النظام النووية.
- رسالة 14 ناشطاً مدنياً وسياسياً إلى خامنئي والتي طلبوا فيها من المرشد الأعلى أن يستقيل.
- احتجاجات الشوارع في كانون الثاني (يناير) 2017 وتشرين الثاني (نوفمبر) 2019 وانتفاضة أهالي خوزستان ثم مزارعي وأهالي أصفهان وإضرابات واسعة النطاق في كردستان وإغلاق المحال التجارية بعد القتل الجبان لحيدر قرباني رغم الوجود المكثف لقوات الأمن.
- اعتصامات وتجمعات المعلّمين والمتقاعدين في الشوارع، والتي كانت مثالاً جديدًا على الانتشار الواسع والمنظم للوجود في الشوارع لهذه النقابات في جميع أنحاء إيران. حضور أظهر أنه انعكاس موضوعي لشعار “لا تخافوا، لا تخافوا، نحن جميعًا معًا”.
- الإضرابات العمّالية، بما في ذلك الإضرابات على مستوى البلاد من قبل عمال مشاريع النفط، وكذلك إضرابات العمال في منجم سونغون، حيث حاولت السلطة إسكات صوت العمّال المضربين بوجود عسكري والهجوم باللودر، لكنها فشلت في ذلك.
هذه الاحتجاجات الشجاعة التي تستهدف كامل نظام الفساد والمافيا للجمهورية الإسلامية وقيادتها، إلى جانب الإجراءات والكلمات الشجاعة للعديد من النشطاء النقابيين ونشطات مختلف الفئات والشرائح في المجتمع الإيراني، والناشطين الحقوقيين والمدنيين مثل كيوان صميمي، ومحمد حبيبي، وجعفر عظيم زاده، ورسول بداقي، وجواد لعل محمدي، ونسرين ستوده، ونرجس محمدي، والموقعون على رسالة 14 شخصية ناشطة إلى خامنئي و… إلخ، وكثير منهم الآن قيد السجن أو لهم ملف قضائي وتم فصلهم عن أعمالهم ؛ كما إن المقاومة الشجاعة للنساء والفتيات والفتيان في الشوارع ضد من يسمّون بـ “الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر” تدل على أن المخاوف الكاذبة المخفية خلف جدران بيت المرشد الأعلى وكل بيت “قدسي” باتت الآن منهارة تمامًا بفضل الشجاعة والوعي للجيل الإيراني المتقدم الحالي كون أفراد هذا الجيل راحوا يكشفون مواهبهم وقدراتهم الواسعة.
ففي ليالي انتصار النور على الظلمة هذه، نبارك انهيار المخاوف خلف أسوار ولاية الفقيه.