تحليل لإجراءات قوات الحرس والتعبئة الإيرانية لغرض التغطية على المفاوضات النووية في فينا

كتبه: العقيد البحري الإيراني محمد فارسي

في هذه الأيام  التي يخوض فيها النظام محادثات نووية غير مباشرة مع الولايات المتحدة (الشيطان الأكبر) كما يبدو ومن أجل التغطية على ضعف فريق مفاوضي النظام، تم اتخاذ إجراءات داخل وخارج البلاد من قبل الحرس الثوري وقوات التعبئة (الباسيج) تستحق الدراسة.

فقبل أيام قليلة، في 5 كانون الثاني (يناير) 2022، كتب موقع “متابعة أخبار إيران” الإنترنتي (تراك برشيا) نقلًا عن قناة “إيران إنترنشنال” المعارضة أن انفجارًا هائلاً حدث في بلدة “قدس” (الاسم السابق لبلدة قلعة حسن خان) في غرب العاصمة طهران وهو الانفجار الذي تكتّمت قوات الحرس الثوري عليه فورًا وقالوا إنه كان صوت اختبار لإطلاق صاروخ! أي صوت عملية إطلاق تجريبي للصاروخ (1). وقال هذا الموقع الإخباري نقلًا عن سكان في المنطقة إن الانفجار نجم عن تفجّر موقع نظام صاروخي وليس عن اطلاق صاروخ. وتجدر الإشارة إلى أنه وعلى الرغم من دعاية الحرس الثوري بأنها ستستهدف المصالح الأمريكية والإسرائيلية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فقد تم الإبلاغ عن عديد من الانفجارات في أجزاء مختلفة من البلاد قد نسبت إلى الهجمات الصاروخية والسيبرانية الإسرائيلية.

إن قوات الحرس التي هي ذراع قمع بيد خامنئي، تحاول حرف الرأي العام الإيراني عن المحادثات النووية. فخلال الجولتين السابعة والثامنة من المحادثات الجارية حاليًا، صرح مفاوضو النظام، بقيادة علي باقري، أحد أقرباء خامنئي، بطموح بأنهم لا يقبلون الجولات الست من المحادثات في ظل الحكومة السابقة وأنهم لن يعودوا إلى طاولة المفاوضات إلا أن يقوم المفاوضون الأمريكيون أولاً برفع جميع العقوبات عن إيران وثانيًا التعهد بعدم الخروج من الاتفاق النووي مرة أخرى. لكن ليس فقط ممثلو الدول الغربية المفاوضة ضحكوا على باقري، وإنما ممثلو روسيا والصين أيضًا قالوا للسيد باقري إن على النظام التخلي عن المطالب المستحيلة والقبول ببدء المفاوضات على أساس المفاوضات السابقة، أي نهاية الجولة السادسة، لأنه لا يوجد طريق آخر. من ناحية أخرى، فإن الوضع الاقتصادي للنظام بلغ حدّ الإفلاس، ولم يعد النظام قادرًا على توفير سبل العيش للشعب. نتيجة لذلك، يمكن التحليل على وجه اليقين أن خامنئي هو الذي أمر باقري بأن يعودوا وبالادعاء أعلاه، ولكن للتوصل إلى اتفاق بأي طريقة ممكنة.

من ناحية أخرى كثف فيلق القدس عملياته في العراق في ذكرى اغتيال قاسم سليماني. وفي هذا الصدد، أفادت وكالة “العربية” الإخبارية في 5 كانون الثاني / يناير أن قوات التحالف الأمريكي التي تقاتل تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا تعرضت لهجوم بثمانية صواريخ في منطقة دير الزور (2). من جهة أخرى أفادت قوات التحالف أيضا بأنها استهدفت موقع إطلاق هذه الصواريخ الذي كان يقع في بلدة الميادين قرب دير الزور! كما تعرضت قاعدة عين الأسد الجوية غربي العراق لهجوم شنه مسلحون بقيادة فيلق القدس. وأكد قائد التحالف الأمريكي في العراق الجنرال جون و. برينان وقوع الهجمات. يقول الجنرال برينان إن نشر الميليشيات بالوكالة في العراق صار مؤذيًا وإن هزيمة إرهابيي داعش قد تأخرت. كما وأعلنت ميليشيات تطلق على نفسها “قاصم الجبّارين” وهي أحدث جماعة إرهابية شكلها فيلق القدس في العراق، مسؤوليتهم عن الهجمات. وقالت جماعة “قاصم الجبّارين”، في بيان لها إن عددا من الصواريخ أطلقت من سيارة في “باستانيه”، على بعد 25 كيلومترا غربي ناحية هيت بمحافظة الأنبار. اللافت أن كل هذه الصواريخ سقطت على الأرض على مسافة كيلومترين من الهدف في اراض حول القواعد!. وندد رئيس الوزراء العراقي بالهجمات وأعلن أنها تأتي ضد استقلال وسيادة العراق، قائلا إن هذه الأعمال طغت على النظام الأمني ​​العراقي، ومن الآن فصاعدا ستتواجد قوات الأمن العراقية في جميع القواعد التي تتمركز فيها قوات التحالف.

وبالإضافة إلى هذه الهجمات، قال كل من رئيسي رئيس الحكومة الإيرانية والسردار قاآني قائد فيلق القدس التابع لقوات الحرس، في خطابين ألقياهما حول اغتيال قاسم سليماني، إنهم سوف ينتقمون من المسؤولين عن مقتل سليماني أينما كانوا. وقد قال رئيسي إنه يجب محاكمة الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو، وإلا فسيواجهون غضبًا إلهيًا، مما يعني أنهم سيرتكبون أعمالًا إرهابية وسيقومون باغتيالهما. وردت وزير الخارجية الأمريكية على التهديدات في مقابلة مع قناة فوكس نيوز في 5 يناير، قائلًا إن النظام الإسلامي هو الداعم الأكبر للإرهاب العالمي، وأنه لا ينبغي تجاهل هذه التهديدات. وقال إن التهديد الموجّه من قبل قادة الإرهاب مثل رئيسي وقاآني، اللذين يديران أكبر شبكة إرهابية في العالم، يجب أن يؤخذ على محمل الجد. وبدوره قال بومبيو أن حماية حياتهم هي مسؤولية الرئيس بايدن وحكومته.

كما إن بومبيو يحذر من أننا إذا عدنا إلى وقت تصفية قاسم سليماني والمهندس زعيم الحشد الشعبي، فلن يكون هناك تغيير في قرار الرئيس ترامب وأن النظام الإيراني في حالة حرب مع الولايات المتحدة وقد صرح مرارًا وتكرارًا أنه سيدمر المصالح الأمريكية في جميع أنحاء العالم. ويقول بومبيو إن سياسة الاسترضاء والضعف التي تنتهجها حكومة بايدن في محادثات الاتفاق النووي في فيينا تعرض المصالح الأمريكية في العالم للخطر. واعتبر التسوية والاتفاق مع النظام الإسلامي أسوأ عمل في التاريخ.

من ناحية أخرى، أنفق النظام أموالاً طائلة على إقامة تمثال لقاسم سليماني في أجزاء كثيرة من إيران وفي بعض دول الشرق الأوسط مثل لبنان وسوريا والعراق، الأمر الذي كان ولا يزال موضع كراهية واحتجاج في أوساط الشعب الإيراني وشعوب الشرق الأوسط. وفي هذا الصدد، أفادت وكالة غويا للأنباء، نصب تمثال لقاسم سليماني في مدينة “شهر كرد” الإيرانية، يوم الأربعاء، 6 كانون الثاني / يناير، ولكن أهالي المدينة أضرموا عصر ذلك اليوم (3) النار في التمثال المذكور. إن حرق تمثال قاسم سليماني في إحدى الساحات الرئيسية في مدينة “شهر كرد” الإيرانية (مركز محافظة “شهار محال بختياري” غربي إيران)  في نفس يوم نصب التمثال، يأتي دليلًا واضحًا على قوة الشباب المناهض للنظام الإسلامي ضد الدعاية القمعية للنظام. النظام الحاكم. كما وفي الوقت نفسه، يظهر ارتفاع موجة غضب المواطنين وكراهيتهم لرموز الحكومة في أكناف المدن الإيرانية.

وبحسب رويترز، إن الأجراء الآخر المثير للسخرية من قبل نظام الحكم القائم في إيران هو إعلانه أنه يقاطع 51 أمريكيًا انتقامًا لاغتيال قاسم سليماني والمهندس في يناير 2020 (4). ومن المثير للاهتمام أن البيان ذكر أن سبب هذه العقوبات يعود إلى الأعمال الإرهابية وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها أميركا. ولكن النظام لم يحدّد ما ذا يقصد عن حقوق الإنسان؟. إن النظام الذي قام ولا يزال يقوم بأسر وتعذيب وقتل أبناء الشعب الإيراني منذ أكثر من 43 عامًا ولحد الآن بات يتحدث حاليًا عن حقوق الإنسان، أية حقوق للإنسان يقصدها؟. وتشمل قائمة الأشخاص الذين فرض النظام عقوبات عليهم أيضًا شخصيات عسكرية وسياسية، بما في ذلك دونالد ترامب ومايك بومبيو ورئيس الأركان آنذاك الجنرال مارك ميللر والمستشار الأمني ​​السابق للبيت الأبيض روبرت أوبراين.

ونظرًا لهذه االمواقف الفاضحة، أعلن قائد الباسيج سردار غلام رضا سليماني في 8 كانون الثاني (يناير) 2022 عن إنشاء وتشغيل 11 ألف قاعدة للباسيج في 50000 منطقة سكنية في البلاد لمدة عام آخر سوف تبدأ بالعمل بعد عام أي قبل النوروز (عيد رأس السنة الإيرانية) عام 2023.  وقد نُشرت تصريحات سليماني في موقع العربية الإعلامي الافتراضي (4). وفي حالة تنفيذه، سيغطي هذا المشروع خُمس المناطق السكنية في البلاد. ويأتي هذا في الوقت الذي يعلن فيه النظام بانتظام أنه يحظى بدعم الشعب الإيراني. وتجدر الإشارة إلى أن أكثر من 90٪ من أبناء الشعب الإيراني قد تركوا ونبذوا النظام وأصبح الآن عددًا أقل من الناس العاديين قادرين على السير في شوارع مدن البلاد بالزي الديني أي بزي رجال الدين لأنهم يتعرضون بالهجوم والإهانة من قبل المواطنين. ولا يدلّ ذلك إلا على ذروة كراهية وغضب المواطنين على نظام حكم الملالي القائم في إيران.

العقيد البحري الإيراني محمد فارسي

10 كانون الثاني  يناير) 2022

الهوامش:

https://www.trackpersia.com/loud-explosion-terrifies-people-near-tehran-as-irgc-refers-to-rocket-test/ (1)

https://english.alarabiya.net/News/middle-east/2022/01/05/US-coalition-against-ISIS-says-Iran-backed-groups-hit-Syrian-base-in-latest-attack (2)

https://www.reuters.com/world/middle-east/ (3)

https://news.gooya.com/2022/01/post-60170.php (4)