المسؤولون في النظام الإيراني يعترفون بتصاعد الاحتجاجات في إيران

الإقرار بعدم الكفاءة أم تحذير المتظاهرين؟

تقرير من حملة حقوق الإنسان في إيران

الاحتجاجات والإضرابات لمختلف شرائح المجتمع في إيران لا تزال مستمرة وبعض المسؤولين الحكوميين يعترفون بزيادة الاستياء العام؛ فما هي الصورة التي يعطينا إياها هذا الأمر في ما يتعلق بمستقبل مطالب مختلف شرائح المجتمع والطريقة التي تتعامل بها الحكومة معها؟ كيف يظهر وجود شخصيات أمنية وقضائية وبعضها ذات خلفية في انتهاكات حقوق الإنسان، في مناصب مهمة وأساسية ضمن حكومة إبراهيم رئيسي، وجهة النظر الرئيسية لنظام الحكم بخصوص الاحتجاجات؟ فبالنظر إلى التاريخ المظلم لنظام الحكم القائم في إيران في التعامل مع الاحتجاجات الشعبية، كيف يمكن تفسير اعتراف سلطات الحكم بتصاعد الاحتجاجات والإضرابات الشعبية في المستقبل القريب واعترافها بتزايد الاستياء بين المواطنين الإيرانين؟. فإن ما جعل الحكومة تخشى اليوم أكثر من أي وقت مضى من استمرار الاحتجاجات الشعبية هو إمكانية انتشار هذه الاحتجاجات والتحاقها ببعضها البعض؛ وهذه قضية يتم على أساسها تحديد السياسات القمعية.

السلطات تواجه الاحتجاجات؛ تطوير وتقوية جهاز القمع

أعلن المدعو تقي روستم فندي، رئيس هيئة الشؤون الاجتماعية ونائب وزير الداخلية، مؤخرًا عن زيادة “الرغبة في إحداث تغييرات جوهرية في البلاد” ، واصفًا  في شرح ذلك “مؤشر الرغبة في الاحتجاج” و”انحسار صبر المواطنين وتحملهم تجاه المضايقات الاقتصادية” بأنهما من الاسباب المهمة لتصاعد  الرغبة في إحداث تغييرات جذرية في البلاد. إن اعتراف هذا المسؤول بوزارة الداخلية بصفتها إحدى أكثر مؤسسات نظام الحكم أمنية بتصاعد موجة الاحتجاجات من قبل مختلف شرائح المجتمع الإيراني، يأتي في حين كان رد النظام على تصاعد الاحتجاجات والإضرابات في إيران خلال السنوات القليلة الماضية قمعيًا وتعسفيّا. من ناحية أخرى، يشير تعيين أشخاص يغلب عليهم الطابع الأمني ​​والقضائي في مناصب لها دور مباشر في مواجهة الاحتجاجات الشعبية إلى أن نهج الحكومة فيما تعتبره تصعيدًا للاحتجاجات في المستقبل القريب سيظل قمعيًا وتعاملًا بالعنف. ويتجلى هذا الأمر تمامًا وبشكل خاص في اختيار وتعيين حكام عدد كبير من المحافظات الإيرانية.

إن تقي روستم فندي يتولى الوكالة أي نائب الوزير في وزارة تعتبر في الحقيقة من أهم الأركان الحاسمة في شكل وطريقة التعامل مع الاحتجاجات والإضرابات الشعبية؛ وهي الوزارة التي تنتخب ولاة أو حكام المحافظات الإيرانية أي السلطة الرئيسية في كل محافظة والتي تلعب دورًا مفصليًا في مواجهة الاحتجاجات والإضرابات. كما وإن وزارة الداخلية هي في الوقت نفسه الهيئة المشرفة على قوة الشرطة وهي القوة التي كانت ولا تزال من الأركان الرئيسية  للتعامل مع الاحتجاجات الشعبية.

هذا وإن تعيين سردار أحمد وحيدي، أحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، لمنصب وزير الداخلية، قد شقّ الطريق أمام الوجوه الأمنية والقضائية في الحرس الثوري الإيراني لتولّي منصب المحافظ (الحاكم) في مختلف المحافظات الإيرانية. فمن بين 31 محافظة في إيران، هناك 10 حكام عسكريين منتمين إلى الحرس الثوري و 10 حكام آخرين لديهم خلفيات أمنية أو قضائية وهذه الأشخاص تولوا المسؤولية في محافظات كانت بشكل أساسي من بين أهم محافظات إيران من حيث الاحتجاجات الشعبية في السنوات القليلة الماضية.

كما وإن دور المحافظين في التعامل مع الاحتجاجات مهم قبل كل شيء لدورهم الأساسي في مجلس أمن المحافظة  وهو المجلس الذي يتألف من قائد الحرس الثوري الإيراني ورئيس المخابرات وقادة الشرطة في كل محافظة ويرأسه المحافظ، وهذا المجلس هو المسؤول بشكل أساسي عند وقوع الاحتجاجات الشعبية عن صنع السياسات وتحديد شكل وطريقة التعامل مع الاحتجاجات.

إذا ألقينا نظرة على المواقف الجوهرية لنظام الحكم، بما في ذلك موقف وزارة الداخلية في انتخاب المحافظين، فإن خطاب نائب الوزير حول زيادة الرغبة في إحداث تغييرات جذرية في البلاد نظرًا  لاشتداد الاحتجاجات، لا يعني أن النظام قد سمع صوت الاحتجاجات والطلبات الشعبية بقدر ما يعتبر في الحقيقة نوعًا من الإنذار الموجّه إلى مختلف الفئات والشرائح المحتجّة في إيران، وهذا الإنذار يعني أن نظام الحكم جاهز ومستعد أكثر مما مضى لمواجهة الاحتجاجات والإضرابات المقبلة.

تصاعد الاحتجاجات وخوف نظام الحكم من التواصل بين المحتجين

لا شكّ في أن تفريق الاحتجاجات والإضرابات في العديد من المدن والبلدات الإيرانية، وبالتالي قمع شديد للمتظاهرين المحتجين، كان ولا يزال من أهم أشكال انتهاكات حقوق الإنسان في السنوات الأخيرة. وراح تكاليف وعواقب هذه الممارسات القمعية تؤثر بشكل متزايد على قطاع أوسع من المجتمع الإيراني، لكن عدم كفاءة السلطة الحاكمة في حل الأزمات القائمة والاعتماد على المعاملة القمعية والقضائية للمتظاهرين المحتجين والنشطاء المدنيين والنقابيين لم يتسبب فقط في “احتجاجات الشوارع” على مسار مطالب العديد من شرائح المجتمع، بل شهد المجتمع الإيراني نمو وتأسيس مظاهر جديدة من الاحتجاجات في الشوارع؛ بما فيها احتجاجات المتقاعدين التي تأتي مثالًا على احتجاجات مجموعة جديدة من المحتجين في الشارع الذين يرون الآن أن الطريقة الوحيدة لتحقيق حقوقهم هي احتجاجات الشوارع. ويذكر أن احتجاجات المتقاعدين في إيران صارت في السنوات الأخيرة أكثر تماسكًا وتنظيمًا وهي احتجاجات أصبحت مترابطة في المدن الصغيرة والكبيرة في البلاد حتى تحولت إلى احتجاجات عامّة على مستوى البلاد.

من أهم المخاوف التي تساور أجهزة نظام الحكم هو خوفها من الوتيرة المتسارعة لتبلور الاحتجاجات الشعبية في إيران وإمكانية الانتشار السريع للاحتجاجات في جميع مدن البلاد. إن الاهتمام بهذا القلق يسهل علينا قراءة نهج المسؤولين في تعيين المحافظين، وبالطبع يعطي مدلولًا لاهتمام وتآكيد السلطات بشكل صريح على الحاجة إلى فلترة الشبكات الاجتماعية وإطلاق شبكة إنترنت وطنية.

ومن الجدير بالذكر أن مسألة تواصل وتلاحق الاحتجاجات في إيران لا تتعلق فقط بشكل توسعها أو تنظيم احتجاجات وإضرابات على مستوى البلاد، بل إن الجانب المهم من الاحتجاجات الشعبية في إيران يتمثل في إيجاد قواسم مشتركة أكثر فأكثر في احتجاجات وإضرابات مختلف شرائح المجتمع.

فتكثف هذه القواسم المشتركة من بين مطالب مختلف شرائح المجتمع يزيد من حاجة الحكومة لتبني سياسات قمعية موحّدة. وبهذا المعنى ، فإن تعيين حكام ذوي خلفية عسكرية وأمنية أو محاولة للسيطرة على الفضاء الافتراضي يأتي في إطار سياسة قمعية منهجية لها رواية مكتوبة مسبقًا.

ومع ذلك، يبدو أن الأدبيات التي تحكم أجواء طلبات واحتجاجات مختلف الشرائح تتزايد حدة يومًا بعد يوم، ويتم تعريف مطالب المحتجين واتساع نطاقها تمامًأ بأنهما انعكاس للاضطهاد المفروض عليهم. ويمكن العثور على أمثلة على هذه الأدبيات المتهورة والجريئة في البيانات الأخيرة الصادرة عن تجمعات المتقاعدين أو من قبل مجالس نقابات المعلمين أثناء احتجاجات المعلمين والتربويين في كل أنحاء البلاد؛ وهي البيانات التي لا تؤكد فقط بشكل صريح ودقيق على استمرار وترابط الاحتجاجات والإضرابات لجميع الفئات والشرائح، وإنما وجهّت انتقادها إلى جهاز القضاء أيضًا وطالب المحتجون فيها بالإفراج عن زملائهم المعتقلين أيضًا.