الخطاب السائد في الثورة الإسلامية عام 1979 و دور علي شريعتي

هناك تشابه بين فكرة “الأمة والإمامة” لشريعتي وفكرة “ولاية الفقيه” لخميني

كتبه: حميد أقايي عضو مجلس المدراء في مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني

نحن عشية ذكرى الثورة الإسلامية عام 1979، وكالعادة بدأت نقاشات كثيرة كل عام حول أسباب قيام ثورة 1979، وأسباب خروج الشاه من إيران وفشل حكومة شابوربختيار.

يتطلب التحليل الشامل للثورة المناهضة للملكية لعام 1979 دراسة عميقة ومكثفة للغاية لدور جميع العوامل الثقافية والتاريخية والاقتصادية والدولية. لكن الكاتب ليس لديه القدرة ولا النية للمشاركة في هذه الدراسة الشاملة؛ بدلاً من ذلك، تحاول الاقتراب من مسار الثورة الإسلامية من زاوية معينة فقط. هذه الزاوية بالذات هي “الخطاب السائد” خلال الثورة الإسلامية والسنوات التي سبقتها.

يقول مارتن هايدجر أن التفكير الحقيقي يبدأ عندما نواجه فكرة جديدة وصعبة (أي خطاب جديد). فكرة ساحرة، وبعد فترة طويلة من السكون الفكري، تظهر وتتجلى في مواجهة الأفكار التقليدية.

الخطاب الجديد لمعلم الثورة علي شريعتي

ربما يمكن اعتبار جهود الدكتور علي شريعتي الفكرية والأدبية بين المثقفين والشباب المسلمين في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي واحدة من الأفكار الجديدة والصعبة التي يشير إليها مارتن هايدجر. الأفكار الجديدة التي جذبت المبتدئين والحداثيين المسلمين الذين لم ينجذبوا إلى الإسلام التقليدي وشكلوا تحديًا خطيرًا للغاية للإسلام التقليدي. التحدي الذي دفع العديد من الشباب المسلمين والعلماء، حتى في المعاهد الدينية، إلى التفكير وتحرير قوى هذا القسم من المجتمع الفكري والأكاديمي. القوى التي لعبت دورًا فاعلًا للغاية في إقامة ثورة 1957 ثم قيام الجمهورية الإسلامية.

كان التحدي الذي أثاره الدكتور علي شريعتي في صفوف الأكاديميين المتدينين وطلاب العلوم الدينية غير مسبوق في تاريخ إيران الحديث أي منذ ما يبلغ 100 عام. ربما كان المثال الوحيد المشابه في إيران الحديثة هو أفكار “بهاء الله” ” ثم حركة “البهائية” التي عرّضت رجال الدين التقليديين والقشريين لأفكار ونظريات جديدة ومعارضة لهم أربكت عقول رجال الدين التقليديين وخلقت صحوة وأثارت موجة وعي في صفوف الكثيرين من الإيرانيين، وشكّكت في قدسية وتفرّد رجال الدين التقليديين في مجال النظريات والمعرفة الإسلامية. فقد انتقد شريعتي استحواذ رجال الدين على النظريات والنصوص الإسلامية، وانتشل التنظير في هذا المجال، الذي كان مخصصًا لعلماء الدين، من أيدي أوساط رجال الدين.

ولكن يمكن القول إنه وفي تاريخ إيران الحديث، كان لدينا العديد من المنظّرين في مجال الفكر الإسلامي من غير رجال الدين ومن غير خرّيجي المدارس الدينية التقليدية (المعروفة بحوزات العلوم الدينية)، الذين بذلوا جهودًا كثيرة في تحديث الإسلام وتركوا كتبًا ومؤلفات لا تعد ولا تحصى. على الرغم من أن هذا صحيح، إلا أن أيًا من هؤلاء المنظّرين، لم يتحدّ الموقع التقليدي لرجال الدين وعلماء الدين بقدر ما تحدّاهم كل من “بهاء الله” وعلي شريعتي؛ ولم يقم بالتشكيك في قدسيتهم بقدر ما قام به كل من هذين المنظّرين. في الحقيقة، كانت نظريات هذين المنظّرين تتضمن في عمقها الطاقة السياسية والقدرة على مواجهة سلطة رجال الدين، بينما قام المنظرون المسلمون الآخرون بالكتابة فقط في مجالات معينة، مثل الاقتصاد أو نظرية التطور، وكانوا يهدفون إلى التوفيق بين الإسلام والعلوم الجديدة، وأخيرًا، كان هدفهم رفض نظريات مثل التناقض والتعارض الجوهري بين العلم والدين.

لكن حركة الحداثة في الإسلام، التي أطلقها علي شريعتي، كان لها توجه سياسي مميّز. وكان هذا التوجه هو “ولادة الإسلام السياسي” على شكل نظرية الإسلام الثوري و”الأمة والإمامة”؛ وولادة يرى كاتب المقال أنها أثرت حتى على بعض المثقفين الماركسيين اليساريين الذين كانوا قد نشأوا وتربّوا ضمن الثقافة الدينية للمجتمع الإيراني في ذلك الوقت.

لكن التشيّع السائد في نظريات الدكتور شريعتي وخطاب “الأمة والإمامة”، الذي كان له جاذبية خاصة لدى الشباب الديني الثوري، تسببا فعلًا في تهميش التناقض بين وجهات نظر شريعتي ورجال الدين التقليديين بل إنهما خلقا غطاءً جديدًا وشعبويًا ورومانسيًا قائمًا على تشيعه المتطرف لنظرية الخميني القائمة على “ولاية الفقيه”؛ إلى أنه وبالنسبة للشباب والمفكّرين المسلمين المتدينين، راح علي شريعتي وروح الله الخميني يحتلّان موقعًا واحدًا موحّدًا على جبهة العودة إلى “ذاتهم الديني والثقافي”، أحدهما كمنظّر ومعلّم والآخر كزعيم سياسي وأيديولوجي أو مرجع ديني وسياسي.

لقد كان نفس الشباب والطلاب المسلمين المتدينين الذين تدرّبوا في مدرسة معلّم الثورة علي شريعتي هم الذين أصبحوا “الرواد” الرئيسيين في نقل هذا الخطاب الشعبوي المتخلّف ولكن الرومانسي إلى أوساط جماهير المواطنين. فهكذا استولى الجيل المتديّن المتحمّس وحتى العديد من المثقفين اليساريين والدينيين، الذين كانوا يتميزون ومع قليل من القوى العلمانية والقومية بأن لهم أيديولوجية سياسية تهدف إلى الوصول إلى السلطة، استولوا على الثورة الإسلامية ومسكوا بزمامها بقيادة الخميني.

وفي الحقيقة، كان خرّيجو مدرسة شريعتي – الخميني هم الذين، كانوا وعلى خطى الخميني وبالاستلهام من الإسلام السياسي، كانوا قد حاربوا النظام البهلوي بأشكال مختلفة، وبعد الإطاحة بالشاه، تولوا مسؤوليات ومناصب مختلفة في النظام السياسي الجديد؛ وهم الذين قام أغلبهم بتكوين جبهة الإصلاحيين في نظام الجمهورية الإسلامية.

لذلك، فإن رأي وتصريحات العديد من خرّيجي مدرسة شريعتي – الخميني وحاملي خطاب “الأمة والإمامة” و “الإسلام السياسي” بأننا عارضنا هذا النظام الديني منذ البداية، ليس إلا تهرّبًا من المسؤولية التي يتحملها كل منهم في إقامة الجمهورية الإسلامية.

لقد تم تحقيق وخلق الثورة الإسلامية والنظام الديني بقيادة رجال الدين، على أيدي غالبية أفراد هذا الجيل. إذًا فإن إلقاء اللوم على الآخرين، بمن فيهم قلة من العلمانيين والقوميين، والقول إننا لم نكن نعلم أن الخميني كان يكذب وأننا اعتقدنا أن تسليم القيادة إليه من شأنه أن يجعل إيران عامرة مزدهرة، ليسا إلا غطاء للجهل وعدم المعرفة التاريخية بالإسلام والتشيع ورجال الدين وتحديداً بالخميني نفسه الذي كان وقد صاغ نظريته القائمة على “ولاية الفقيه” قبل الثورة بسنوات عديدة، وكانت معارضته للشاه عام 1963 بسبب إقرار القانون المعترف بحق المرأة في التصويت. فعلى ذلك نقول إنهم يحاولون إيجاد طريق للتهرّب من المسؤولية.

كما وفي السنوات التي سبقت الثورة الإسلامية، كان المثقفون الديمقراطيون والشعبويون يتفوّق  من حيث سعة النطاق والأنشطة الأدبية والاجتماعية والسياسية على النخب الثقافية والسياسية الأخرى في المجتمع الإيراني، الذين كانوا يرون التحديث والليبرالية ضمانًا لمستقبل بلادهم وكان المثقفون العلمانيون والليبراليون والديمقراطيون هم أقلية. واستمر هذا الوضع بعد الثورة الإسلامية أيضًا وليس فقط توازن القوى هذا لا يختلّ، وإنما يتم تقديم التيار المثقّف الليبراليّ العلمانيّ على أنه عدو للثورة ويتم إزاحته تدريجياً من المشهد السياسي. وخلال هذه الفترة، انضم بعض المثقفين الماركسيين أيضًا إلى جمهور المثقفين الشعبويين، ويقومون بوضع عراقيل جادّة “مسلحة بأسلحة ثقيلة” أمام عملية تحرير وتحديث المجتمع الإيراني متناغمين مع الفئات التقليدية والدينية في المجتمع الإيراني.

ومع ذلك، فإن بقية القصة هي السنوات الضائعة والأجيال المحروقة من هذه الأرض، حيث الصراع على السلطة بين الإصلاحيين أي المتخرّجين من مدرسة شريعتي والأصوليين من جهة، وخرّيجي مدرسة فضل الله نوري – الخميني من جهة أخرى، يمثّل واحدًا من الاسباب الرئيسية للوضع الراهن.