التهديدات الرئيسية: اختراق الصفوف وتعكير صفو الأجواء الاجتماعية السياسية
حميد أقايي عضو مجلس المدراء في مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني
في هذه الأيام يشهد المجتمع الإيراني، احتجاجات يومية من قبل مختلف الفئات والشرائح والنقابات المهنية. وهي احتجاجات لكل منها مطالب مختلفة، من الاحتجاج على فصل الأساتذة من الجامعات والمطالبة بعودة هؤلاء الأساتذة، إلى مطالب معيشية مثل الرواتب، وحسم جدولة رتب المعلمين والمتقاعدين التربويين، أو إعادة رؤوس الأموال لخاسري سوق الأسهم.
ورغم أن مطالب الشعب في هذه الاحتجاجات هي بالأساس نقابية وحقوقية وتقام بشكل قانوني وسلمي تمامًا، إلا أن ردّ المسؤولين والمؤسسات المسؤولة في نظام الجمهورية الإسلامية لمطالب المواطنين الإيرانيين، ليس إلا القمع واعتقال نشطاء النقابات والقادة الميدانيين لهذه الاحتجاجات أو الصمت وتحويل القضية من قبل المؤسسات المختصّة إلى بعضها البعض.
إن الاستثناءات الوحيدة خلال الاحتجاجات اليومية للمواطنين الإيرانيين هي تواجد مختلف الفئات في الشوارع على نطاق واسع خلال انتفاضة ديسمبر 2017 ، وحركة نوفمبر 2019 ، والاحتجاجات الواسعة لأهالي خوزستان ضد شحّ المياه، وللمزارعين وأهالي اصفهان والتي تتزايد وتتصاعد كلما تتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية. إن الفارق المهمّ للغاية بين هذه الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة النطاق في الشوارع واحتجاجات النقابات هو الجانب السياسي وإطلاق شعارات ضد هيكلية النظام برمّتها واستهداف رأس النظام وقيادته، علمًا بأنها قوبلت على الفور بالقمع العنيف والقتل من قبل نظام الحكم.
هذا وفي مواجهة الاحتجاجات وتواجد مختلف فئات الشعب في الشوارع، من الطبيعي جدًا أن تفضل حكومة الجمهورية الإسلامية أن تظل احتجاجات الشعب على مستوى الاحتجاجات النقابية للفئات المختلفة ونطاق مطالبها النقابية. وهذا هو السبب في أن قادة النظام عادة لا يبدون رد فعل شديد وعنيف تجاه هذا النوع من الاحتجاجات النقابية، وذلك متعمدًا وعن قصد وعلم، ويسمحون للمحتجين بإقامة هذا النوع من احتجاجاتهم.
علمًا بأن رد فعل نظام الحكم القائم في إيران على احتجاجات النقابات لا يقتصر على الصمت والإذن. بل إن إحدى الأدوات الثابتة لنظام الحكم كانت ولا تزال هي التأثير على المؤسسات النقابية ومحاولة حصر مطالبها داخل نفس النقابة. على سبيل المثال، فيما يتعلق بمطالب المعلمين والتربويين، تم ويتم بذل الجهود لأن تقتصر أولى طلبات هذه الفئة المهنية على “حسم الرتب الراتبية والمهنية والمطابقة”. ولكن بفضل الجهود الحثيثة للقادة الواعين لشريحة المعلّمين والتربويين، كانت المطالبة بالإفراج عن المعلّمين المسجونين وعدم التدخل الإيديولوجي في نظام التعليم في البلاد مدرجة دائمًا في قائمة مطالب المعلّمين.
لكن نهج النظام ونوع تدخله في الاحتجاجات العامة ضد هيكلية النظام برمتها والقائمة على محور تجاوز هذا النظام هو نهج مختلف ومن نوع آخر. ففي هذا الصدد، يحاول نظام الحكم بأشكالها المختلفة، بشكل مباشر وبواسطة عناصره أو بشكل غير مباشر، من خلال خلق أجواء أو السماح لبعض النشطاء السياسيين غير المؤهلين لقيادة الاحتجاجات السياسية للشعب الإيراني، بممارسة النشاط وذلك في محاولة لخلق جو سياسي مختلف للمعارضة وتلويثه وتشويشه ليكون ضبابيًا ليمنع بذلك من توحيد الحركة السياسية الانتقالية أو العاملة على الإطاحة بهذا النظام صفوفها وادارتها.
وليس هناك شك في حقيقة أن المجتمع الإيراني اليوم هو مجتمع واع، ولا يمكن مقارنته بشكل أساسي بالعقود السابقة وهو مجتمع تكون فيه الهوية الفردية والسياسية والعرقية والدينية والجماعية والطبقية، والتي تعد سمة مهمة للمجتمعات الحديثة التي تتمحور حول المواطن، جزءًا من واقعه اليوم. هذه الحقيقة وعلى الرغم من أنها توفر للشعب الإيراني فرصًا لا حصر لها لتجاوز الجمهورية الإسلامية وإنشاء مجتمع علماني وتعددي وديمقراطي، إلا أنها قد تشكل أيضًا تهديدًا للحركات المناهضة لنظام الحكم.
الحيلتان المذكورتان أعلاه هما من أهم مخاطر الحركة الانتقالية وإدارة نضالات الشعب الإيراني؛ أي المخاطر المتمثلة في اختراق المؤسسات النقابية وتحويلها إلى مؤسسات صفراء وتابعة، ووجود ناشطين وقياديين صغار سياسيين وأنانيين في الفضاء السياسي للبلاد. وهم القادة الصغار الفرعيين الذين لا يبدو أنهم يفهمون حقيقة المجتمع الإيراني الفسيفساء والباحث عن الهوية ولا يُظهرون استعدادًا جادًا للتعاون والتنسيق مع بعضهم البعض.
إن الرؤية الحركية، بتركيزها المفرط على حركات الشوارع العفوية أو النشاط السياسي على شكل دعوات غير جاهزة، هو خطر آخر يهدد نضال الشعب الإيراني. ولكن يجب التأكيد على أنه لا شك في ضرورة تدفق جمهور المواطنين إلى الشوارع وتوجيه دعوات محددة لإظهار المواطنين احتجاجهم على الوضع الراهن؛ ولكن طالما أن الحاجة والجهد للتنسيق والتعاون وتوحيد القوى السياسية لا تكون هي الأولوية الأولى، وطالما من خلال هذا التنسيق والتعاون، لا تقوم كل من القوى السياسية المعارضة بتفعيل وتعبئة قواعدها الاجتماعية، فإن المواطنين لن يبالوا بهذه الدعوات كما حدث في كثير من الأحيان، وبسبب عدم الاستجابة حتى أن هذه الدعوات ستنقلب على ذاتها وستزيد من الشكوك في مصداقية معارضي الجمهورية الإسلامية.
ومن أنجح الأمثلة على إطلاق الحملة كانت حملة “لا للجمهورية الإسلامية ولا للتصويت” خلال الانتخابات الرئاسية للجمهورية الإسلامية؛ وهي الحملة التي كانت أسسها وظروفها الاجتماعية والعقلية المشتركة متوفّرة من جهة وكانت قد تمت تهيئة مقدماتها بالصبر والحكمة والتعاون من قبل العديد من القوى السياسية من جهة أخرى.
ويرى كاتب المقال أنه وبالنظر إلى أن الضرورة الحيوية والأولى للحركة الشعبية الإيرانية ضد نظام الحكم القائم في إيران هي التنسيق والتعاون وائتلاف القوى والناشطين السياسيين الساعين للانتقال من هذا النظام، فإن الحملات والنشاطات المختلفة في أوقات محدّدة يمكن أن يكون لها آثار طويلة المدى من شأنها جعل الأجواء السياسية الضبابية المغبرة أكثر وضوحا وشفافية بفضل هذه الحالات من التعاون والتكافل.
إن الفكرة القائلة بأن المجتمع الإيراني هو “مجتمع حركي” وأنه يجب على المرء أن ينتظر ظهور قيادة جديدة من داخل هذه الحركات، هي استنتاج خاطئ من حقيقة لا جدال فيها؛ وهي أن المجتمع الإيراني اليوم مليء بالغضب والاحتجاج ولديه القدرة والإرادة العالية لتجاوز الجمهورية الإسلامية. لكن إذا لم تصبح المعارضة العلمانية والديمقراطية الساعية للانتقال من الجمهورية الإسلامية ومن خلال التعاون التكتيكي والاستراتيجي، قادرة على المسك بزمام القيادة والإدارة العامة والشاملة لمشروع الانتقال من الجمهورية الإسلامية وإقامة نظام سياسي علماني وديمقراطي قائم على حقوق الإنسان، فبالتأكيد سوف تكون خلال مرحلة انهيار النظام الحالي متفرجًا للتطورات اللاحقة وإقامة نظام جديد.
تستند وجهات النظر الحركية ونشاطات القادة السياسيين الفرعيين إلى فرضية أن الوقت لم يحن لتشكيل بديل وتحالف واسع وشامل من معارضي الجمهورية الإسلامية. بعبارة أخرى، عندما يكون الحكم على وشك الانتقال، فإن القيادة والبديل سيولدان من داخل مجتمع الحركة. ولكن هذا الرأي وهذا النوع من النشاط قد أظهرا نتائجهما في الماضي خلال ثورة 1979 وهي ثورة وبسبب الضعف التاريخي للقوى العلمانية والديمقراطية والوطنية وعدم استعدادها، سقطت في أيدي الفئات الأكثر تخلّفا التي كانت قد بنت مؤسساتها الاجتماعية والثقافية منذ زمن بعيد، وأحلّت نظامًا محلّ النظام الملكي قد جعل المجتمع الإيراني يتقهقر إلى الوراء لعقود من الزمن.