الاختيار بين “الحرس الثوري” أو “إنقاذ الاتفاق النووي”
منذ أسابيع توقفت المفاوضات في فيينا لإحياء الاتفاق النووي، وأصبح من الواضح الآن أن إحدى النقاط الرئيسية المعقّدة للمحادثات كانت شرط إزالة الحرس الثوري الإيراني من قائمة الجماعات الإرهابية.
إن إصرار قيادة الجمهورية الإسلامية ونواة السلطة الصلبة على تنفيذ هذا الشرط يضعف الآمال يومًا بعد يوم بإحياء الاتفاق النووي. وقد أدى هذا الوضع تدريجياً إلى اشتداد حدة الخلافات بين مختلف أجنحة النظام الإيراني فيما يتعلق بالاختيار بين إنقاذ الاتفاق النووي وبالتالي إبقاء الحرس الثوري الإيراني على قائمة الجماعات الإرهابية وبين الإعلان عن وفاة الاتفاق النووي.
أما أولى بوادر الخلاف داخل الحكومة حول شطب الحرس الثوري الإيراني من قائمة الجماعات الإرهابية فأظهرها وزير خارجية الجمهورية الإسلامية، أمير عبد اللهيان، حيث قال في مقابلة تلفزيونية: “إن كبار المسؤولين في الحرس الثوري في البلاد يذكّروننا دائما في وزارة الخارجية بنقطة ما؛ إنهم يقولون إنكم افعلوا كل ما هو ضروري لمصلحة البلاد، وإذا وصلتم إلى نقطة أثيرت فيها قضية الحرس الثوري، فإن قضية الحرس لا ينبغي أن تكون عقبة أمامكم”. أثارت هذه التصريحات غضب ممثل خامنئي، حسين شريعةمداري في صحيفة كيهان. فسرعان ما تراجع وزير الخارجية عن آرائه إثر انتقادات متزايدة له من قبل متطرفي النظام، وبالتالي عاد يشدّد على ضرورة الالتزام بالخطوط الحمراء التي حدّدها علي خامنئي.
وفي هذا الصدد، أشار حسن حسن زاده، قائد فيلق “محمد رسول الله”، في كلمة له بمناسبة ذكرى تأسيس الحرس الثوري الإيراني، إلى الحديث داخل النظام حول تقييد الحرس الثوري الإيراني (بمعنى آخر، إبقاء فيلق الحرس على قائمة الجماعات الإرهابية) وقال: “في هذه الأيام هناك حديث عن تقييد الحرس الثوري؛ أقول لكل الأعداء والعناصر الداخلية الخائنة والدنيئة والذين يطلقون أقوالًا تتضمن الفكر الغربي الفاسد إن الحرس الثوري لن يتقيّد بأي زمان ومكان، فالحرس الثوري يساوي الشعب الإيراني والثورة الإسلامية، وإن مقاطعة الحرس الثوري تعني مقاطعة الشعب الإيراني” وهذه المقاطعة لم تنجح حتى الآن، والمقاطع هو الأكثر عزلة من أي وقت مضى”.
كما قال أحمد خاتمي، خطيب صلاة الجمعة في طهران في هذا المجال: “إن التصريحات حول بقاء الحرس الثوري على قائمة العقوبات الأمريكية ليست إلا أراجيف وتناغمًا مع العدو”، وقال: “يجب على السلطات مواجهة هذه الأراجيف؛ ليس من المقرّر أن يتفوّه كل شخص بما يتبادر إلى ذهنه.”
يشار إلى أن فائزة هاشمي ابنة أكبر هاشمي رفسنجاني قالت في يوم 16 نيسان / أبريل إن “سحب الحرس الثوري من قائمة العقوبات يضر بالمجتمع الإيراني وإن السبيل الوحيد لإعادة الحرس الثوري إلى ثكناته هو إبقاء هذه المؤسسة في قائمة العقوبات”. “إنها على قائمة العقوبات”.
ولكن قادة الحرس الثوري الذين صاروا عشية الذكرى السنوية لتأسيس الحرس، يتعرضون لضغوط داخلية من بعض أجزاء النظام، حتى من قبل الأصوليين، الذين يوافقون على إبقاء الحرس الثوري في قائمة الجماعات الإرهابية من أجل الحفاظ على الاتفاق النووي ورفع بعض العقوبات، بدأوا هم الآخرون يطلقون الشعارات المتشدّدة والتهديدات المتكرّرة والدائمة ضد كل من أميركا وإسرائيل بعد أن أدركوا أن الإدارة الأمريكية لا تنوي سحب الحرس الثوري الإيراني من قائمة الجماعات الإرهابية.
فعلى سبيل المثال، قال قائد البحرية في الحرس الثوري يوم الخميس 22 نيسان (أبريل): “من الوهم الزائف التخلي عن خطة الانتقام لمقتل قاسم سليماني القائد السابق لقوة القدس التابعة لفيلق الحرس الثوري إزاء رفع العقوبات”. وتابع يقول: “الآن يرسلون رسائل متتالية مفادها أنه إذا تراجعتم عن فكرة الانتقام للحاج قاسم، فسنقدم لكم تنازل الفلان وسنرفع عقوبات الفلان، لكن هذا وهم باطل”. وأضاف: “إن آية الله علي خامنئي، زعيم الجمهورية الإسلامية، أكّد على الانتقام، وكذلك قال قائد الحرس الثوري إن الانتقام أمر محتوم، لكننا سنحدد المكان وليس غيرنا”.
ففي ذكرى تأسيس الحرس الثوري، انتهز قادة الحرس الفرصة وبدأوا في تهديد المعارضين المحليين وترديد شعاراتهم المتكرّرة على الصعيد الدولي ضد أميركا وإسرائيل. من الواضح أن عصابات المافيا داخل النظام الإيراني وقادة النظام يرون مصالحهم في الحفاظ على الشبكة العنكبوتية للحرس الثوري، إلى جانب القوات التي تعمل نيابة عنهم في المنطقة. وعلى وجه الخصوص، إن الوضع العالمي الجديد بعد الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا وعزلة بوتين الدولية قد أدّيا إلى التقارب بين الجمهورية الإسلامية والحرس الثوري والأوليغارشية الروسية.