دراسة حول عملية بلورة البديل للجمهورية الإسلامية
بقلم: حميد أقايي عضو مجلس المدراء في مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني
لطالما كانت ولا تزال عملية بلورة بديل لنظام الحكم القائم في إيران عملية ثنائية الأبعاد وديالكتيكية؛ عملية تقوم على ركيزتين: صنع الخطاب وصنع التيّار. ويتم الفعل وردّ الفعل من هذين الجانبين من عملية صنع البديل في سياق العمل التطبيقي الملموس والواقع الاجتماعي والسياسي.
علمًا بأنه من الواضح جدًا أن ظهور الحاجة إلى البديل والإيمان بضرورة البحث عن بديل للنظام القائم، يتبلور عندما يدخل المجتمع في الأزمة المتمثلة في شرعية النظام القائم؛ وهي الظروف التي لا يستطيع فيها النظام القائم حل الأزمة وفي الوقت نفسه لا يؤمن الناس بقدرة النظام الحاكم على حل المشاكل والأزمات.
لكن ما يتم تجاهله في كثير من الأحيان في مناقشة صنع البديل هو مسألة الأمل في المستقبل. فالواقع أنه وبدون الأمل في مستقبل أفضل وبدون الثقة بالنفس في القدرة على صنع البديل، فإن مجرد الإيمان بعدم شرعية النظام الحالي وفهم الحاجة إلى بديل أفضل، لا يمكنهما فتح الطريق أمام عملية بلورة بديل مرغوب فيه.
إن نظام الحكم القائم في إيران ورغم الأزمات الاقتصادية والسياسية الشديدة، على الساحتين الداخلية والدولية، قد نقى دائمًا وجود الأزمة وحاولت استخدام آلته الواسعة للدعاية والترويج بأنه وبدون الجمهورية الإسلامية، سيواجه المجتمع الإيراني أزمة انهيار وحرب وتفكك، فعلى ذلك فإن الوضع الحالي ليس متأزمًا.
ومن خلال الترويج في هذا الرأي، ينوي النظام الإيراني إبقاء المواطنين تحت ضغط الأزمات الحقيقية من جهة، وتخيب آمالهم في المستقبل ما بعد الجمهورية الإسلامية وإبقائهم في ظروف اليأس والخوف والخمول، أو جعلهم بشكل أو آخر يعتقدون أنه لا يوجد بديل أفضل للظروف الحالية فلا خيار إلا الرضوخ لها؛ وذلك لكي يؤجّل بهذه الطريقة، الاقتراب من نقطة التحول وليكفل إمكانية كسب الوقت لحكمه القائم في إيران.
لذلك، فإن الأمل في المستقبل والثقة بالنفس لهما دور مفصليّ للغاية في عملية بلورة البديل ويجب أن ينبتا وينبعثا أولاً وقبل كل شيء في قلوب المواطنين وكل فرد في المجتمع، ولكن من المؤسف أن القوى السياسية التي تدعي محاربة نظام الحكم القائم في إيران قلّما تهتم بموضوعي الأمل والثقة بالنفس؛ فيما أن طمس الأمل بالمستقبل أي بعد الجمهورية الإسلامية كان ولا يزال يتصدر أولويات نظام الحكم القائم في إيران.
ففي الوقت الذي يحاول فيه النظام الإيراني إبقاء ظلال اليأس وعدم الثقة حيال قوى المعارضة والمستقبل أي بعد هذه السلطة تخيّم على الشعب، فإن الحاجة الأساسية لشعبنا هي رفع الروح المعنوية والأمل في المستقبل والثقة في القوى السياسية. لكن الأمل والثقة لا ينشأان بالاعتماد على سياسات صنع البديل خارج سياق العمل الملموس على الساحة الاجتماعية و لا حسب الإرادة وعادة ما يتم انتهاجها من قبل القوى السياسية من الأعلى، بل وقد تنقلب هذه السياسات على ذاتها.
ومن أسباب هذا النوع من السياسة القائمة على صنع البديل والتي يتم انتهاجها خارج السياق الاجتماعي والعمل التطبيقي الاجتماعي وهي متأثرة بشكل أساسي بالأفكار الإيديولوجية والنوستولوجية وبالتالي غير قادرة على كسب الأمل والثقة من أبناء الشعب، هو فكرة أن صنع البديل هو واجب القوى السياسية والمعارضة، وأنه يجب العمل على أن يثق الناس بالبديل الذي صنعه القادة السياسيون وأن يتم متابعته.
وبدوره قد عمل نظام الحكم القائم في إيران هو الآخر دائمًا على الترويج بشكل مباشر وغير مباشر في فكرة أن المواطنين غير قادرين على خلق البديل وأنهم لا يعرفون ما يريدون. ومن سوء الحظ، فإن بعض المحلّلين والنشطاء السياسيين المعارضين للجمهورية الإسلامية هم الآخرون يروّجون مرارًا وتكرارًا بأن المواطنين ليس لديهم بديل، مما تستغل السلطة الحاكمة بدورها هذه الأفكار والآراء أفضل استغلال.
لكن الكاتب يعتقد أن هذا النوع من النظرة إلى الشعب الإيراني وتحليل مطالبه غير عادلة وينتج عن احتقار الشعب الإيراني. إن غالبية الإيرانيين وبشتى الطرق وأثناء الاحتجاجات النسائية ضد الحجاب الإجباري، وبمعارضتهم الواسعة لاستمرار الحرب مع العراق، خاصة بعد استعادة خرمشهر من الجيش العراقي، وعقدهم الآمال في عهد خاتمي هاتفين “أين أصواتنا؟” في مسيراتهم إثر الانقلاب حين الانتخابات الرئاسية والذي قام به خامنئي وقوات حرس الثورة في عام 2009 وفي انتفاضات الشوارع عامي 2017 و 2019 ثم الاحتجاجات والإضرابات المنظمة للنقابات وغيرها من الحركات الاحتجاجية، أظهروا بوضوح في شعاراتهم ومطالبهم ماذا يريدون وأية أهداف يتابعونها.
وتتعارض هذه الأهداف والمطالب على وجه التحديد مع البنية الاستبدادية والأيديولوجية للجمهورية الإسلامية، بدءًا من المطالبة بالحرية والديمقراطية، والحق في تنظيم المسيرات الاحتجاجية وعقدها، وإلغاء التعليم الأيديولوجي وفصل الملالي من المدارس، إلى توفير الرفاهية والأمن. هذه المطالب هي في الواقع هي الأسس الأساسية لنظام بديل. إن إصرار الفئات المختلفة على هذه المطالب ووجودها الدائم في الشوارع يظهران أن الشعب الإيراني يعرف ما يريد ويرفع أصواته علانية في شعاراته بنظامه الاجتماعي والسياسي المنشود. فإن هكذا وقوف وصمود يؤكد حقيقة أن الشعب الإيراني يأمل بمستقبل أفضل بعد الجمهورية الإسلامية، وهذا الأمل ينبع من ثقته بالنفس. وفي الحقيقة أن القوى السياسية هي التي يجب أن تكسب الأمل من الشعب وأن تبحث عن البديل الذي يريده الشعب وأن تجهّز آلياته.