رادیو فرنسا الدولي – القسم الفارسي – 24/6/2022
حسن شريعتمداري: الجمهورية الإسلامية الإيرانية فقدت طابع الإجماع والقدرة على اتخاذ قرارات موجعة وليس لديها أدنى قدرة على التغيير. هذه الحكومة سوف تتفكك أو ستصبح نظام حكم تالفًا إذا فشلت المعارضة في لعب دورها. المشكلة ليست حتى في تجرع السمّ بكأس أو كأسين. إذا أرادت هذه الحكومة أن تفعل من أجل البقاء ما يسمى بـ “الاعتدال البطولي” على حدّ تعبيره، فعليها أولاً أن تتصالح مع الشعب الإيراني، أي أن يعترف بحقوقه أو أن تنهي أفعالها في المنطقة… وكل من هذين الفعلين يساوي زوال سبب وجود هذه الحكومة …
النظام الإيراني يمرّ بوضع صعب ومأزق شديد. الاستياء والاحتجاج مستمرّان بلا توقف في الداخل الإيراني، والحكومة تبدو عاجزة تمامًا عن تلبية مطالب الشعب. عزلة نظام الحكم آخذة في الاشتداد في المنطقة والعالم. فضيحة اعتقال عملاء إيرانيين في تركيا بتهمة التآمر لاغتيال مواطنين إسرائيليين، وتحذير أنقرة الشديد لطهران، وإقالة حسين طائب من منصب رئيس الحرس الثوري، والتحقيق في ارتباط طائرة إيرانية فنزويلية هبطت في الأرجنتين بالإرهاب الدولي .. وكون العربية السعودية وإسرائيل تعملان على تشكيل وتوسيع جبهة ضد نظام طهران عشية رحلة مهمة للغاية سيقوم بها بايدن إلى الشرق الأوسط .. كلها علامات تخبر عن أحداث مهمة للغاية. لكن ما هي الأحداث التي تنتظر المجتمع الإيراني؟ هل صارت الحكومة الإسلامية تعي بفشل سياساتها؟ هل هذه الحكومة لديها القدرة على التغيير والتكيف مع الوضع الجديد من أجل البقاء؟
وردا على هذه الأسئلة وغيرها، قال حسن شريعتمداري الأمين العام ل مجلس إدارة المرحلة الانتقالية الإيراني المعارض:
“أمامنا صيف ساخن: فمن ناحية، أصبح النظام الإيراني على وشك اتخاذ قرارات كبرى [للعودة إلى الاتفاق النووي]، وهو بالطبع لم يتوصل بعد إلى الإجماع في الآراء. ومن ناحية أخرى، فإن النظام الإسلامي قد رضخ لبقاء اسم قوات الحرس في قائمة الجماعات الإرهابية الأمر الذي سيظهر حالته الهشة، وهذا ما سيزيد من قوة المعارضة الإيرانية لتكثيف نضالاتها وجعل المجتمع الدولي أكثر وعيًا من أي وقت مضى بأن جمهورية إيران الإسلامية أضعف وأكثر فقدانًا للحصانة مما تعتقد.
باستثناء عدد قليل من قادة الحرس الثوري الإيراني الفاسدين وخامنئي نفسه، تدرك هيئة الحكومة الإسلامية بأكملها الحاجة إلى تغيير جذري وتدرك جيدًا أن وجود أو غياب هذا النظام لیس إلا مسألة وقت، حتى لو لم تكن علامات قوة المقاومة واضحة في هيكل السلطة. ومع ذلك، فإن الوضع هش للغاية بحيث يمكن تشكيل جبهة مقاومة داخل السلطة أيضًا كما في داخل المجتمع.
ومن علامات هذا الاحتمال إقالة حسين طائب رئيس جهاز المخابرات في الحرس الثوري عن منصبه. إن تنحية حسين طائب هي في الأساس إزالة عصابة شكلها مجتبى خامنئي ابن مرشد النظام علي خامنئي للسيطرة على الشؤون الاستخبارية. ووردت أنباء غير مؤكدة عن استبعاد كل وحيد حقانيان وأصغر حجازي من “بيت مرشد” الجمهورية الإسلامية. وفي الحقيقة، يُظهر إقالة طائب في الوقت نفسه وجود نوع من المقاومة ضد المرشد داخل النظام أيضًا.
هل سيؤدي ذلك إلى دفع السلطة في إيران إلى أن يقع مثل ما حدث في الباكستان؟، وهي عملية يمكن للحرس الثوري من خلالها الاستيلاء على السلطة بشكل كامل من خلال القيام بنوع من الانقلاب السلمي؟ أجد هذا مستبعدًا جدًا، لأن الحرس الثوري لا يتمتع بوحدة الجيش الباكستاني. الحرس الثوري هو وليد قوة شبه عسكرية يرأسها عشرة أو اثنا عشر من قادة الحرس الثوري الذين ينشغلون حاليًا في الصراع على السلطة والثروة. ويشاع في هذه الأيام أن سردار عزيز جعفري، القائد السابق للحرس الثوري الإيراني، بدأ يكتسب السلطة من خلال السيطرة على الجهاز السيبراني واستقطاب بعض الأشخاص والقوات. لكن أمامه أناس مثل قاليباف وشمخاني ورضائي. والأهم من ذلك، أن الحرس الثوري الإيراني ليس لديه برامج أو خطط للإدارة المستقبلية للبلاد. الحرس الثوري الإيراني نفسه هو سبب هذا الوضع والسبب الرئيسي للفساد في السلطة. فعلى رأس كل عصابات مافيا السلطة والثروة داخل الحكومة الإسلامية الإيرانية، يوجد أحد قادة الحرس، وبجانبهم عدد من أجهزة المخابرات والأمن وأبناء رؤوس النظام. فمثل هذه التركيبة غير قادرة على اتخاذ أية مبادرة، لو كانت قادرة عليه، لوقف بوجه خامنئي نفسه منذ فترة طويلة.
ففي الأنظمة الشمولية، تُلاحظ الفجوات الأولى داخل أجهزة الأمن والاستخبارات، لأن هذه الأجهزة عادةً ما تحتوي على أدق المعلومات حول حالة المجتمع والنظام. فمع تنحية حسين طائب، أصبحت الفجوة في أجهزة المخابرات للجمهورية الإسلامية أكثر وضوحًا: لقد أصبح من الواضح أن إسرائيل قد اخترقت هذه الأجهزة على نطاق واسع لدرجة أن أعضاء أجهزة المخابرات التابعة للحكومة الإيرانية يخشون اليوم على حياتهم. وهم أصبحوا مشتبهين في بعضهم البعض. أي إنهم يعتبرون كل شخص في صفوفهم بأنه قد يكون جاسوساً إسرائيلياً. من الواضح أنه في مثل هذه الحالة، تصبح المؤسسة الأمنية مؤسسة معادية لأمن النظام ووجوده، خاصة لبيت خامنئي، الذي حاول دائمًا أن يمسك كل رؤوس الخيوط لجميع المؤسسات الأمنية.
في هذه الحالة، سيتعرض جو بايدن لضغوط من الدول العربية خلال رحلته الوشيكة إلى الشرق الأوسط للاختيار بين هذه الدول والحكومة الإيرانية، ومن المتوقع أن يتخذ بايدن خيارات أيضًا، خاصة أنه و لسبب ذلك الحرب في أوكرانيا أصبحت قضية الطاقة في العالم، بما في ذلك في الولايات المتحدة، مشكلة مهمة، الأمر الذي جعل الدول العربية في الخليج أكثر أهمية من أي وقت مضى، خاصة وأن هذه الدول أبدت استعدادها لذلك. إنهم لا يتبعون سياسات وخيارات البيت الأبيض ويضبطون علاقاتهم مع قوى مثل الصين وروسيا حسب مصالحهم …
باختصار، فقدت جمهورية إيران الإسلامية طابع الإجماع ولم يعد خامنئي هو الذي يقول قول الفصل. لقد فقد القادة الإيرانيون قدرتهم على الاتفاق فيما بينهم في أية حالة تتطلب اتخاذ قرارات مؤلمة. لأن مثل هذه القرارات تشبه فقدان المعنى الوجودي الذي جعلته جمهورية إيران الإسلامية لنفسها. في رأيي، الجمهورية الإسلامية الإيرانية فقدت طابع الإجماع والقدرة على اتخاذ قرارات موجعة وليس لديها أدنى قدرة على التغيير. هذه الحكومة سوف تتفكك أو ستصبح نظام حكم تالفًا إذا فشلت المعارضة في لعب دورها. المشكلة ليست حتى في تجرع السمّ بكأس أو كأسين. إذا أرادت هذه الحكومة أن تفعل من أجل البقاء ما يسمى بـ “الاعتدال البطولي” على حدّ تعبيره، فعليها أولاً أن تتصالح مع الشعب الإيراني، أي أن يعترف بحقوقه أو أن تنهي أفعالها في المنطقة… وكل من هذين الفعلين يساوي زوال سبب وجود هذه الحكومة …